(( ضع نفسك دائمًا في مكان من تعامله وضع من تعامله في مكانك وبذلك تستطيع أن تحكم في الأمر حكمًا عادلًا فاجعل نفسك بائعًا إذا اشتريت ومشتريًا إذا بعت وبذلك تبيع وتشتري بالعدل ) ) (12) .
وقامت الصياغة الفنية لنظرية الظروف الطارئة في القانون الكنسي على أساس تغير الظروف. والتي صاغها أصحاب مدرسة (بار تول) في القرن الثاني عشر (13) , ومؤداها أن العقد يفترض فيه شرط ضمني وهو أن الظروف الاقتصادية التي عقد في ظلها تبقى عند تنفيذه ولا تتغير تغيرًا جوهريًا فإذا ما تغيرت هذه الظروف وترتب على التغيير إرهاق أحد المتعاقدين وجب تعديل العقد لإزالة الإرهاق (14) .
وقد أخذ الفقهاء الإيطاليون والألمان بهذه القاعدة حتى القرن الثامن عشر, وقد قضي عليها نهائيًا في القرن التاسع عشر واختفت أمام مبدأ سلطان الإرادة, ثم ما لبث أن ظهرت من جديد في أوائل هذا القرن (15) .
المبحث الثالث
النظرية في الفقه الإسلامي
من المعروف عن الشريعة الإسلامية أن النصوص الشرعية فيها لم تعالج المسائل التفصيلية للأحكام الشرعية العملية باستثناء الأمور التي تتصف بالثبات والدوام كبعض قضايا الأسرة وأحكام الحدود (16) .
لذلك وبغية رفع الضرر عن أحد المتعاقدين الناشئ بسبب تغير ظروف تنفيذ العقد بحيث أصبحت تختلف عن ظروف تكوينه فقد انطلق علماء الشريعة وفقهاء الإسلام صوب كل ناحية من كتاب الله تعالى وأحاديث النبي (ص) ينشدون منها طريقًا للحكم أو يلتمسون قاعدة شرعية ولذلك فإن الفقهاء المسلمين أوردوا بعض القيود على مبدأ العقد شريعة المتعاقدين مسترشدين ومستندين بما أقره الشرع الإسلامي في القرآن الكريم والسنة النبوية بضرورة المساواة بين المتعاقدين في الحقوق والالتزامات ورفع الضرر.
فقد جاء في سورة البقرة, بسم الله الرحمن الرحيم ( ... لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها ... ) و ( ... يريد الله بكم اليسر ولا يريد العسر ... ) وجاء في سورة الحج ( ... وما جعل عليكم في الدين من حرج ... ) صدق الله العلي العظيم, ومؤدى هذه الآيات الكريمة إن الله سبحانه وتعالى لا يرضى لعباده الضيق والإرهاق والضرر
كما جاء في الأحاديث الشريفة (لا ضرر ولا ضرار) و (إن بعت من أخيك ثمرًا فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا بمَ تأخذ مال أخيك بغير حق) .
ولما كان الثابت في مصادر التشريع الإسلامي كافة الإجماع على إزالة الضرر ورفع الضيق والحرج عن المتعاقد, وحيث أن الظروف الطارئة قد تؤدي إلى إرهاق المدين, فقد وجدت نظرية الظروف الطارئة تطبيقات لها في الفقه الإسلامي كحلول عملية لمسائل مختلفة وإن سميت بأسماء متنوعة كالفسخ والأعذار أو وضع الجوائح في بيع الثمار أو تعديل العقد في حالة تقلب قيمة النقود (17) . وإن هذه التطبيقات بحثت في أبواب مختلفة من أبواب الفقه بحثًا دقيقًا استند فيه الفقهاء المسلمون إلى تطبيق مبادئ العدالة بأسمى معانيها مسترشدين بما أقره الشرع الإسلامي من المساواة بين العاقدين في الحقوق والالتزامات طوال مدة العقد وما أمر به الشرع من إزالة الضرر عن المدين إذا ما عجز عن المضي في موجب العقد بسبب الحادث الطارئ الذي لم يتوقعه عند إبرامه.
وقد استنبط الفقهاء المسلمون ضمن سعيهم هذا العديد من القواعد الفقهية وعملوا على تطبيقها لمعالجة الظروف الطارئة والأضرار الناجمة عنها ومن الأمثلة على هذه القواعد نذكر ما يلي:-
1.الضرورات تبيح المحضورات
وتتمثل الضرورة في إزالة الضرر عن المدين وأباحت هذه الضرورة المحظور الذي هو عدم تنفيذ الالتزام بسبب الظرف الطارئ (18) .
2.درء المفاسد أولى من جلب المنافع
وتتمثل هذه القاعدة في دفع المفسدة عند تعارضها مع منفعة فإذا تعارضت منفعة دائن في إلزام المدين بتنفيذ التزامه مع مفسدة الضرر الذي يصيب المدين إذا نفذ التزامه مع حدوث الظرف الطارئ وجب دفع المفسدة وبالتالي دفع الضرر الناشئ عنها بالفسخ للغدر في عقد الإيجار مثلًا أو بالحط من الثمن بقدر التلف الذي سببته الجائمة في بيع الثمار (19) .
3.الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف
وبمقتضى هذه القاعدة يختار أهون الضررين (20) . ويلاحظ أن الفقه الإسلامي لم يضع نظرية عامة للظروف الطارئة, ذلك أن الفقه الإسلامي لم يكن معنيًا بصياغة النظريات بقدر ما كان يتلمس الحلول العلمية والعملية لكل ما كان يطرح على بساط الوقائع من مسائل (21) .