الصفحة 14 من 17

هذا ويدور حكم المحكمة بإنقاص الالتزام المرهق إلى الحد المعقول مع الظرف الطارئ وجودًا وعدمًا فإذا زال الظرف الطارئ زال معه الإنقاص ورجع العقد إلى ما كان عليه والعكس صحيح في حالة اشتداد وتفاقم آثار الظرف الطارئ.

ثالثًا: إمهال المدين:

إذا وجدت المحكمة أنه من المؤمل قرب زوال الظرف الطارئ, جاز لها أن تقرر ولغرض إزالة الإرهاق عن المدين بوقف تنفيذ العقد لحين زوال الظرف الطارئ (73) . وإذا جاز للمحكمة ذلك فإنه لا يجوز لها فسخ العقد باستثناء ما ورد في المادة 878 من القانون المدني ذلك أن نص المادة 146/ 2 من القانون المدني لا يجعل لها إلا (إنقاص) الالتزام المرهق إلى الحد المعقول, فالالتزام المرهق يبقى ولا ينقضي ولكن ينقص إلى الحد المعقول.

وقد أجازت الفسخ في مثل هذه الحالة بعض القوانين كالقانون البولوني حيث أجاز للمحكمة فسخ العقد إذا رأت ضرورة لذلك والقانون الإيطالي الذي ينص على فسخ العقد لمصلحة المدين المرهق ولكن يجعل للمتعاقد الآخر الحق في أن يدرأ طلب الفسخ بأن يعرف تعديلًا لشروط العقد بما يتفق مع العدالة وقد أراد القانون الإيطالي بالطريقة التي ذكرناها أن يجعل تعديل العقد من عمل المتعاقد لا من عمل المحكمة ولكنه يفرض عليه هذا التعديل عن طريق تهديده بالفسخ (74) .

تبين من البحث في نظرية الظروف الطارئة إنها قد شقت طريقها وبدأت في الظهور في عدد من التشريعات المدنية الحديثة لعدد من الدول. بعد أن تردد صداها في آراء وبحوث الفقهاء عبر مراحل تاريخية متعاقبة كما وجدت نصيبًا لها في التطبيقات القضائية.

وتتأكد أهمية هذه النظرية وتزداد كلما تقدم الزمن وتبعًا للتطورات التي تحصل في المجتمعات البشرية والتي تترافق معها ظروف طارئة غير متوقعة تؤثر بشكل مباشر على التوازن الاقتصادي للمتعاقدين إلى حد اختلاله وبما يؤدي إلى إلحاق الغدر المادي الجسيم بأحد أطراف العملية التعاقدية.

وهنا تظهر أهمية نظرية الظروف الطارئة ومعالجاتها العادلة في إعادة التوازن الاقتصادي بين طرفي العقد بما ينعكس إيجابيًا على المعاملات الاقتصادية والتجارية حيث يشعر المتعاقد بالطمأنينة أثناء التعاقد أو خلال تنفيذ العقود.

وقد ظهر لنا من خلال البحث أن القانون المدني العراقي من بين القوانين المدنية التي أخذت بالنظرية وبنص عام فيه وهو نص المادة 146/ 2 منه. وهذا النص من النظام العام وكل اتفاق يخالف أحكامه هذه يعد باطلًا بطلانًا مطلقًا. فإذا اتفق المتعاقدان عند إبرام العقد على إنه إذا أصبح تنفيذ الالتزام مرهقًا للمدين بسبب ظروف طارئة غير متوقعة فلا يجوز لأي منهما أن يلجأ إلى القضاء طالبًا حمايته كان الاتفاق باطلًا لمخالفته للنظام العام.

ولكن يلاحظ على النص المذكور أنه أشترط بتطبيق النظرية أو التمسك بها أن يكون الحادث الطارئ عامًا بالإضافة إلى الشروط الأخرى, وحيث تقع في الحياة العملية حوادث استثنائية لكنها لا تتصف بالعمومية إذ إنها قاصرة على المدين فقط أي على أحد طرفي العقد وتسبب له إرهاقًا ماديًا جسيمًا, وفي مثل هذه الحالة لا يستطيع هذا المتعاقد أن يطالب بتطبيق النظرية والاستفادة من أحكامها, ونرى من الضروري إعادة النظر في هذا الشرط واستبعاده وصولًا إلى تحقيق الغايات والأهداف العادلة التي تسعى إليها وتنشدها النظرية.

كما ظهر من البحث أن القاعدة العامة في تطبيق نظرية الظروف الطارئة المنصوص عليها في الفقرة في الفقرة الثانية من المادة 146 من القانون المدني لا تجيز فسخ العقد وإنما تجيز تعديل العقد بإنقاص الالتزام المرهق إلى الحد المعقول.

وإننا نرى إن رفض الفسخ يعني الإبقاء على العقد كما هو بالرغم من عدم التوازن الاقتصادي الذي حدث فيه. لذا نرى إعادة النظر في النص المذكور حتى يمكن الفسخ إذا تطلب الأمر ذلك وحسب تقدير محكمة الموضوع.

وبما يتفق مع العدل والإنصاف الذي تقوم عليه نظرية الظروف الطارئة. ولا سيما وإن المشرع العراقي ذاته أخذ بمثل هذا الحكم في المادة 878 منه وكذلك في المادة 792 أيضًا بالإضافة إلى أن عددًا من القوانين المدنية الحديثة لعدد من البلدان قد أخذ بمبدأ الفسخ عند تحقق الظرف الطارئ. كما رأينا ومنها القانون الإيطالي.

وقد ظهرت من خلال البحث أيضًا أن التطبيقات القضائية لمحكمة التمييز تميل إلى عدم نظرية الظروف الطارئة بها ومطالبته بعد إكمال تنفيذ المدين لالتزامه بالرغم من الإرهاق الذي أصابه بسبب الظرف الطارئ. ونرى أنه من الضروري وجوب المداخلة التشريعية في النصوص النافذة ليصبح بالإمكان طلب المدين تطبيق نظرية الظروف الطارئة حتى وإن نفذ التزامه بالكامل وذلك استجابة لمتطلبات العدالة وما تهدف إليه النظرية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت