عليه أن يستند إلى حكم المادة 878/مدني للمطالبة بتعويض عن زيادة الأسعار لمادة الحديد ... وحيث أن شروط تطبيق المادة 878/مدني لم تتوفر في دعوى المميز عليه إذ أنه أقام دعواه بعد أن نفذ التزامه التعاقدي ... ) (65) .
ومن ذلك يتضح ويتأكد من التطبيقات القضائية لمحكمة التمييز عدم أحقية المدين في المطالبة أو التمسك بنظرية الظروف الطارئة في حالة تنفيذه التزامه التعاقدي بالكامل.
المبحث الثالث
إزالة اختلال التوازن الاقتصادي في التزامات طرفي العقد
إذا توافرت شروط النظرية وبعد الموازنة بين الموازنة وبين مصلحة كل طرف من طرفي العقد, جاز للمحكمة معالجة أو إزالة الاختلال في التوازن وبما يؤدي إلى رفع الإرهاق الواقع على أي من الطرفين وسنتناول في هذا البحث كيفية قيام المحكمة بذلك وما هي الأساليب التي تتبعها لتحقيق هذا الهدف.
أولًا: زيادة التزامات الدائن:
بعد الموازنة بين مصلحتي الطرفين المتعاقدين قد ترى المحكمة إن مقتضيات العدالة, توجب إزالة الإرهاق عن المدين وذلك بزيادة التزامات الدائن فمثلًا إذا كان شخص ما قد تعاقد مع آخر على توريد كمية معينة من مادة معينة وبسعر محدد ومتفق عليه بين الجانبين وقت التعاقد, ولظروف طارئة غير متوقعة حصلت أثناء التنفيذ أرتفع ذلك السعر ارتفاعًا كبيرًا بحيث أدى إلى أن تكون عملية توريده من قبل الطرف الآخر مرهقة له. ولغرض إزالة الإرهاق عن المدين, على المحكمة أن تتبع أسلوبًا بمقتضاه يتم الوقوف على مقدار الزيادة المتوقعة أو المألوفة في الظروف الاعتيادية في أسعار نفس المادة. وخلال نفس الفترة التي يتم بها تنفيذ الالتزام معاصرة مع الظرف الطارئ, أي أن يتم احتساب الزيادة في الأسعار ضمن نموها الطبيعي وكأن الظرف الطارئ لم يقع أو ليس له وجود, وبعد تحديد هذه الزيادة بمعرفة أهل الخبرة والاختصاص يتم طرحها من المستوى الذي بلغته الأسعار لنفس المادة بسبب الظرف الطارئ. وبذلك يتم التوصل إلى معرفة مقدار الزيادة غير المتوقعة في الأسعار وبعدها تقرر المحكمة زيادة التزامات الدائن برفع السعر المتفق عليه أثناء التعاقد إلى حد معقول بحيث لا يتحمل أحد طرفي العقد بمفرده الزيادة غير المتوقعة بل توزع على كلا طرفي العقد. وبهذا المآل قضت محكمة التمييز حيث جاء في قرار لها ما يلي: ( ... إن نظرية الظروف الطارئة قد توفرت أركانها في الدعوى المقامة, وإن المادة 146/مدني التي بحثت في ذلك قد توفرت في ادعاء المدعي لذلك من حق المحكمة الموازنة بين مصلحة الطرفين وتنزيل الخسارة المألوفة من المبلغ العام لمجموع الضرر ثم توزيع ما بقي على طرفي الالتزام ... ) (66) .
وفي قرار آخر قضت محكمة التمييز ( ... كان عل المحكمة الخوض في أساس الدعوى والمتثبت من انهيار التوازن الاقتصادي بين التزامات المقاول ورب العمل فإذا ثبت لديها ذلك فعليها الحكم بزيادة الأجرة بنسبة ما أنجزه المدعي من العمل تطبيقًا لنظرية الظروف الطارئة وما استقر عليه قضاء محكمة التمييز في مثل هذه الدعاوى ... ) (67) . وفي قرار حديث لها قضت محكمة التمييز ( ... ولكن المحكمين وإن كانوا قد أخذوا بنظرية الظروف الطارئة وكان قرارهم مسببًا وواضحًا إلا إنهم أخطأوا في حساب ما يتحمله كل من الطرفين حيث أنهم حملوا الطرفين مناصفة جميع الزيادات الحاصلة في المواد الإنشائية وأجور العمل وإن الحساب الصحيح هو احتساب الخسارة المألوفة من هذه الزيادة وهي خسارة متوقعة في حساب كل مقاول حيث أن المقول هو الذي يتحمل الخسارة المألوفة دائمًا ثم ما زاد عن الخسارة المألوفة يقسم مناصفة بين رب العمل والمقاول ... ) (68) .
على أن الدائن, في مثل هذه الحالة لا يجبر على قبول السعر الجديد فله أن يقبل أو يطلب فسخ العقد (69) .
ثانيًا: إنقاض التزامات المدين:
وقد ترى المحكمة أن إزالة الإرهاق وإعادة التوازن الاقتصادي بين طرفي العقد يتم بأنقاض الالتزامات المترتبة على المدين, وبمثل هذا قضت محكمة التمييز في قرار لها ( ... ثبت منع الحكومة للذبح خلال المدة المطالب بها ... وهو يعتبر من الحوادث الاستثنائية التي لم يكن للمستأجر أو المؤجر يد فيها, وحيث أن المنع جعل المأجور أثناء الفترة المذكورة في حالة لا يصلح معها للانتفاع الذي أجر من أجله وهو الذبح فيكون من حق المستأجر أن يطالب بإنقاص الأجرة عن الفترة المشار أليها ... ) (70) .
وفي قرار آخر قضت محكمة التمييز ( ... إن المميزين رفعا بأن عدم تنفيذ الالتزام كان لسبب شحة مياه نهر الفرات ... فكان على المحكمة ملاحظة ما تقدم وإنقاص الالتزام المرهق إلى الحد المعقول ... ) (71) وحول ذات الموضوع وفي قرار آخر أكدت محكمة التمييز ( ... إذا طرأت حوادث استثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها وترتب على حدوثها أن تنفيذ الالتزام التعاقدي صار مرهقًا للمدين فللمحكمة بعد الموازنة بين مصلحة الطرفين أن تنقص الالتزام المرهق إلى الحد المعقول ... ) (72) .