الصفحة 3 من 17

العلنية والواضحة قد أجريت, ولكي يكون مالكًا للأرض من بيعت إليه فيجب أن تكون قد أجريت أمام الشهود المراسيم العلنية المسماة بعملية الأشهاد (5) .

وكان من النتائج الطبيعية لسيادة الشكلية إن لا يعترف القانون الروماني بفكرة الغبن وهو الإجحاف المالي الذي يلحق المتعاقد بسبب عدم التعادل بين ما يعطيه وما يأخذه. فالقاعدة في القانون الروماني أن الغبن لا يعيب الرضا ولا يؤثر في صحة العقد وانعقاده ما دام هذا العقد هذا العقد قد أستوفى الشروط والأوضاع الشكلية التي قررها القانون, وحيث أن قيام العاقد بذلك دليل على انصراف إرادته الحرة إلى الالتزام بما عقده وهو عالم بالآثار التي تنجم عنه وبالتالي لا مجال للاحتجاج بالغبن الذي أصابه بسبب العقد وما على المتعاقد إلا أن ينفذ التزامه, ولذلك وحيث أن القانون الروماني لم يعترف بالغبن أثناء تكوين العقد فإنه من أولى أن لا يعترف بالغبن أثناء مرحلة تنفيذ العقد. وهكذا لم تجد نظرية الظروف الطارئة طريقها إلى القانون الروماني لكن الفلاسفة الرومان المتأثرين بالفلسفة اليونانية القديمة القائمة على فكرة الحق الطبيعي والعدالة دعوا إلى الأخذ بنظرية الظروف الطارئة في كتاباتهم ومنهم (شيشرون) و (سبيدنيك) فمن أقوال شيشرون: عندما يتغير الزمن يتغير الواجب. ومن أقوال سبيدنيك: (أنا لا أعتبر حانثًا لعهدي, ولا يمكن اتهامي بعدم الوفاء إلا إذا بقيت الأمور على ما هي عليه وقت التزامي ثم لم أنفذه والتغير الذي يطرأ على أمر واحد يجعلني حرًا في أن أناقش التزامي من جديد ويخلصني من كلامي الذي أعطيته ويجب أن يبقى كل شيء على حالته التي كان عليها في الوقت الذي تعهدت فيه لكي أستطيع المحافظة على كلامي) . (6)

ويتضح من هذا القول أن العاقدين لا يسألان عن تنفيذ إلتزامهما إلا في مثل الظروف التي أبرم فيها العقد أما إذا تغيرت هذه الظروف فلهما أن يناقشا إلتزامهما ويعدلانه تبعًا للظروف الجديدة. وقد انتشرت هذه الأفكار في الفترة التي أطلق عليها أسم (الفترة العلمية) (7) والتي تزامنت مع الفتوحات الرومانية الواسعة التي أدت إلى نشوء ظروف أخلاقية وثقافية جديدة كانت عظيمة الأثر على تطور الأفكار الفقهية الرومانية وانعكاساتها الإيجابية على القانون الروماني نفسه, فالفقهاء الرومان, في تلك الفترة لم يعودوا يعتقدون بصبغة القدسية التي كانت تسبغ على شكليات القانون وذهبوا إلى أن الغاية النهائية للقانون هي منفعة الناس وإسعادهم وتوفير الرخاء لهم والمودة بينهم ولا حرج من أن تؤدي هذه الغاية إلى الخروج عن التقاليد القديمة وتحطيم سلسلة الشكليات المفروضة ولذلك دعوا إلى أن لا يسأل العاقدان عن تنفيذ التزامهما إلا في مثل الظروف التي أبرم فيها العقد وإذا حصل وأن تغيرت هذه الظروف فلهما عندئذ أن يعدلاه على ضوء وتبعًا للظروف المستجدة. وقد دفعت مفاهيم العدالة هذه الرومان إلى البحث عن الحقيقة والجوهر وسمحوا للإرادة أن تبرم عقودًا لم يكن القانون قد نص عليها ومن ثم أباح القاضي لنفسه أن يطبق نصوص القانون بشيء من الحرية والمرونة. (8)

المبحث الثاني

النظرية في القانون الكنسي

بعد أن انتشرت الديانة المسيحية في أوروبا في العصور الوسطى, فقد أدى هذا الانتشار إلى نتائج مهمة كان من أبرزها استتباب سلطة الكنيسة ليس على المستوى الديني فحسب ولكن على المستوى السياسي والقانوني أيضًا, وتعمق بناءًا على ذلك نفوذ الكنيسة في مجرى الأحداث, وظهرت الدعوة آنذاك إلى تحرير العقود من المراسيم والقوالب الشكلية إلى جانب الاتجاه جديًا إلى إزالة كل ما شأنه إلحاق الأذى بالمدين مثل القسوة والتعسف والظلم وصولًا إلى رفع الغبن عن كاهله بسبب التزامه التعاقدي.

ويعتبر فقهاء القانون الكنسي هم الذين رسموا النطاق المناسب لمشكلة الغبن وذلك لأنهم فهموا هذه المشكلة على حقيقتها منطلقين من مبادئ الدين المسيحي نفسه والذي من أساسياته أن العقد وقبل كل شيء التزام أخلاقي مصدره نية المتعاقدين وإرادتهما الحرة (9) . فكل عقد اتفقت فيه إرادة المتعاقدين وتحققت فيه العدالة, يصبح شريعة لهما وملزمًا وأن سبب الإلزام يقوم على أساس وجوب البر بالوعد والوفاء به.

والعقد كذلك رابطة أخوية تخضع لقانون الرحمة والعدل ومن موجباتها أن يكون الدائن رحيمًا متسامحًا مع مدينه ولا يرهقه بما يزيد على طاقته ولا يستغل حاجته أو جهله لينال منه ما لا يستحق (10) .

وحيث أن نظرية الظروف الطارئة تقوم على المبادئ التي أشرنا إليها لكونها تستند بالأساس على فكرة العدالة وإنصاف المتعاقد ورفع الغبن عنه بالعمل على إنقاذه من الخسارة المادية الجسيمة التي تلحق به من جراء الحادث الطارئ الذي لم يكن في حسبانه وتقديره, فأنه من الطبيعي أن تجد هذه النظرية صدى واسعًا ومكانًا رحبًا في التشريعات ذات الأصل أو الصبغة الدينية في هذه الحقبة من الزمن. ومن ضمنها القانون الكنسي, والذي من بين مفاهيمه أن يكون في العقد تعادل بين التزامات المتعاقدين. وكان رجال الكنيسة يرتبون على الحوادث الطارئة أثرًا قانونيًا فهناك غبن يقع على المدين المرهق, والغبن لا يجوز سواء كان أثناء تكوين العقد أو استجد عند تنفيذه. إذ هو نوع من الربا المحرم (11) . كما أنه إثراء دون حق على حساب المدين المرهق وعبر أحد فقهاء القانون الكنسي عن الروح التي يجب أن تسود معاملات الناس بقوله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت