الصفحة 6 من 17

عند التنفيذ ظروف لم تكن في حسبان المتعاقدين وقت التعاقد وكان من شأنها أن يؤثر على حقوق الطرفين وواجباتهما بحيث يختل توازنهما في العقد اختلالًا خطيرًا, تجعل التنفيذ مرهقًا لدرجة لم يكن يتوقعها بحال من الأحوال فإنه يكون من الظلم احترام العقد في مثل هذه الظروف ومن العدل العمل على مساعدة المدين وإنقاذه من الخراب ... ) (26) .

لكن هذا القرار لم يحظى بتصديق محكمة النقض المصرية التي كانت لا تقر تطبيق نظرية الظروف الطارئة بدون نص في القانون. وفي قرار آخر قضت محكمة استئناف أسيوط ( ... ليس للمحاكم في مصر أن تأخذ بنظرية الظروف الطارئة بل عليها أن تحكم بتنفيذ العقود كما هي, لا إدخال أي تعديل في شروط المتفق عليها بين الطرفين ... ) (27) .

وقد استمر القضاء المصري على نهجه هذا حتى تم الأخذ بنظرية الظروف الطارئة في القانون المدني النافذ حيث نص عليها في المادة 147/ 2 منه. وذلك في عام 1948. حيث ورد في المادة المذكورة (( 1.العقد شريعة المتعاقدين فلا يجوز نقضه ولا تعديله إلا باتفاق الطرفين أو للأسباب التي يقرها القانون. 2. ومع ذلك إذا طرأت حوادث استثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها وترتب على حدوثها أن تنفيذ الالتزام التعاقدي وإن لم يصبح مستحيلًا صار مرهقًا للمدين بحيث يهدده بخسارة فادحة, جاز للقاضي تبعًا للظروف بعد الموازنة بين مصلحة الطرفين أن يرد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول ويقع باطلًا كل اتفاق بخلاف ذلك ) ).

المبحث الثاني

في القانون الإداري

من المعروف أن القانون الإداري متعلق ومرتبط بالمصلحة العامة, ذلك أن الغاية منه ومن خلال العقود الناشئة بموجبه كعقود التوريد والأشغال العامة والنقل هي إسداء الخدمات العامة لأكبر عدد من الناس.

ولهذا فالقانون الإداري يوصف دائمًا بأنه قانون قضائي وإن الطابع القضائي يلازم قاعدة القانون الإداري منذ ولادتها وحتى نهايتها. فالقضاء هو الذي يخلق القاعدة القانونية وهو الذي يفسرها وهو الذي يستبدل بها غيرها. والقضاء الإداري يختلف اختلافًا جوهريًا عن القضاء العادي فبينما تنحصر مهمة القضاء العادي في تطبيق القانون وتلمس نية المشرع وبالتالي تأمين مصلحة خاصة أو منفعة للطرفين المتعاقدين فإن القضاء الإداري ليس مجرد قضاء تطبيقي بل هو في الغالب قضاء إنشائي يبتدع الحلول المناسبة للروابط القانونية التي تنشأ بين الإدارة في تسييرها للمرافق العامة وبين الأفراد وهي روابط تختلف بطبيعتها عن روابط القانون الخاص ومن ثم ابتدع القضاء الإداري نظرياته التي استقل بها في هذا الشأن (28) .

وبناءًا على ذلك وفي ضوء هذا الفهم لطبيعة القانون الإداري وجدت نظرية الظروف الطارئة أرضًا خصبة لنموها في ظل القانون وبالتالي القضاء.

وكان القضاء الإداري في فرنسا سباقًا في الأخذ بنظرية الظروف الطارئة وطبقها أثناء الحرب العالمية الأولى عندما تغيرت الظروف الاقتصادية بسبب الحرب وكان لهذه الظروف المتغيرة تأثيرًا بالغًا في تنفيذ عقود إلتزام المرافق العامة. وعلى سبيل المثال فقد كان من بين المواد التي تأثرت بالحرب وإرتفع سعرها ارتفاعًا فاحشًا مادة الفحم بحيث وجدت شركة الإضاءة لمدينة بوردو الفرنسية عام 1916 أن الأسعار التي تتقاضاها أصبحت قليلة جدًا ولا تغطي نفقات التشغيل. فتقدمت الشركة للسلطة مانحة الالتزام طالبة رفع تلك الأسعار لكن السلطة رفضت الطلب الذي تقدمت به الشركة, مبررة الرفض بالتمسك بالقوة الملزمة للعقد وأنه أي العقد شريعة المتعاقدين ولدى عرض النزاع على مجلس الدولة الفرنسي فقد أقر المجلس مبدءًا جديدًا مستمدًا من قاعدة دوام سير المرافق العامة. مقتضاه أنه إذا وجدت ظروف لم تكن في الحسبان من شأنها أن تزيد الأعباء الملقاة على عاتق الملتزم إلى حد الإخلال بالتوازن عند تنفيذ العقد, فللملتزم الحق في أن يطلب من الإدارة المساهمة ولو إلى حد ما في الخسائر التي تلحق به, وأصبح هذا المبدأ أساسًا لنظرية الظروف الطارئة في القانون الإداري (29) .

ثم توالت بعد ذلك أحكام مجلس الدولة الفرنسي التي استقرت على الأخذ بالنظرية المذكورة عند تصديه للمنازعات في القضايا المعروضة عليه مراعيًا في أحكامه مبادئ العدالة وتوسع المرافق العامة وضرورة المحافظة على استمراريتها في تأديتها لخدماتها للمواطنين.

أما في مصر فقد رفض (القضاء الوطني) الأخذ بنظرية الظروف الطارئة إلى أن صدر القانون رقم 29 لسنة 1947 بشأن المرافق العامة التي تدار عن طريق الامتياز حيث نص في مادته السادسة على الأخذ بالنظرية (30) .

وطبق القضاء الإداري المصري الذي عاصر في إنشاءه إقرار النظرية تشريعيًا نظرية الظروف الطارئة في العديد من أحكامه ومنها الحكم الصادر عن المحكمة الإدارية العليا بتاريخ 30/حزيران/1957 حيث ورد فيه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت