الصفحة 12 من 17

المدني تجيز للقضاء إذا طرأت حوادث استثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها وترتب عليها أن تنفيذ الالتزام التعاقدي صار مرهقًا للمدين ويهدده بخسارة فادحة أن ينقص الالتزام المرهق إلى الحد المعقول إن اقتضت العدالة ذلك ومفهوم هذا أن يستمر المتعاقد الذي يشكو الإرهاق في تنفيذ التزامه, لكي يستفيد من تدخل القضاء لتخفيف حدة الإرهاق, فإذا امتنع من جانبه وتوقف عن تنفيذ التزامه كله أو بعضه فلا يستفيد من نظرية الظروف الطارئة ولا يحق له المطالبة بالتعويض لأن الهدف الرئيسي للنظرية هو مساعدة المتعاقد على تنفيذ التزامه التعاقدي وتخفيض الأضرار التي أنزلتها به الظروف الطارئة بسبب تنفيذ التزامه التعاقدي وذلك بشرط استمراره على تنفيذ هذا الالتزام, لأنه يجب تنفيذ العقد طبقًا لما أشتمل عليه وبطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية فكان على المميز عليهم (المدين) الاستمرار في تنفيذ العقد ثم المطالبة بالتعويض ... ) (62) . وليس للمدين أن يطلب فسخ العقد عند تعرضه للظرف الطارئ بالاستناد إلى نص المادة 146/ 2 من القانون المدني وبهذا قضت محكمة التمييز في قرار لها حيث جاء فيه ( ... إن المادة 146 من القانون المدني لم تجز للملتزم الفسخ إنما أجازت تنقيص الالتزام إذ لا يجوز فسخ العقد إلا إذا أصبح الالتزام مستحيلًا فينقضي حينذاك الالتزام أما الحالة الواردة في المادة 146 فتعالج ما إذا أصبح الالتزام مرهقًا بحيث يهدد المتعهد بخسارة فادحة وللمحكمة أن تعدل التوازن الذي أختل نتيجة الحادثة الطارئة ... ) (63) .

وهذا الحكم هو تطبيق للقاعدة العامة في تطبيق نظرية الظروف الطارئة المنصوص عليها في الفقرة (2) من المادة (146) من القانون المدني العراقي التي لا تجيز فسخ العقد وإنما تجيز للمحكمة أن تعدل العقد بإنقاص الالتزام المرهق إلى الحد المعقول إن اقتضت العدالة ذلك, وإن رفض الفسخ يعني الإبقاء على العقد كما هو بالرغم من عدم التوازن الاقتصادي الذي حدث فيه.

لكن المشرع العراقي نفسه خرج على هذه القاعدة وذلك في المادة 787 من القانون المدني حيث عالج فيها فسخ عقد المقاولة إذا انهار التوازن الاقتصادي بين التزامات رب العمل والمقاول انهيارًا تامًا بسبب حوادث لم تكن في الحسبان وقت إبرام العقد أدت إلى انعدام الأساس الذي قام عليه التقدير المالي لعقد المقاولة.

ثانيًا: حالة تنفيذ الالتزام والمطالبة بتطبيق النظرية:

الثابت فقهًا وقضاءًا أن للمدين الحق في المطالبة بتطبيق نظرية الظروف الطارئة إذا تمسك أثناء تنفيذ العقد.

وهنا يثور السؤال التالي:

إذا نفذ المدين التزامه المترتب عليه جراء العقد بصورة تامة ووفقًا لما كان قد التزم به عند التعاقد بالرغم من آثار ونتائج الظرف الطارئ الذي تعرض له أثناء التنفيذ, فهل يستطيع مثل هذا المدين أن يطالب بتطبيق نظرية الظروف الطارئة بعد تنفيذ التزامه؟.

الملاحظ أن القضاء العراقي ومن خلال ما أطلعنا عليه من أحكام قضائية ذات صلة بالموضوع, إنه قد اتجه إلى عدم جواز المطالبة لتطبيق نظرية الظروف الطارئة في حالة تنفيذ المدين لالتزامه. إذ أن تنفيذ العقد تمامًا يعني إنه انقضى بالوفاء وبالتالي لم يعد هذا العقد قائمًا حتى يكون من الممكن المطالبة بتعديله وفق أحكام النظرية وإنقاص الالتزام المرهق إلى الحد المعقول لأن الالتزام قد نفذ, وانقضى بالتنفيذ ولأن تدخل المحكمة لإعادة التوازن الاقتصادي المختل بين الدائن والمدين نتيجة الظرف الطارئ يفترض أن هناك عقدًا قائمًا بين الطرفين لتتمكن من تعديله بقوة القانون. أما وإن العقد قد أنقضى بالتنفيذ فكيف إذن يتم تعديل عقد غير قائم.

هذا إضافة إلى أن نظرية الظروف الطارئة تشترط تحقق إرهاق المدين وتنفيذ العقد دليل على انتفاء الإرهاق, وبهذا المعنى قضت محكمة التمييز في قرار لها حيث جاء فيه ( ... إن المدعية أقامت دعواها مستندة إلى حكم الفقرة(الثانية) من المادة (146) من القانون المدني, بعد أن نفذت التزامها كاملًا.

ولما كانت الفقرة المشار إليها لا تجد مجالًا للتطبيق إلا إذا كان الحادث الاستثنائي الذي يتسبب عنه الإرهاق قد طرأ في الفترة بعد إبرام العقد وتنفيذ الالتزام الناشئ عنه, فإذا كان الالتزام قد نفذ فإنه ينقضي ويمنع انطباق نظرية الظروف الطارئة لأن تطبيقها لا يكون إلا على التزام لم ينفذ بعد, بالإضافة إلى أن تنفيذ الالتزام فيه الدلالة الكافية على انتفاء شرط الإرهاق ... ) (64) .

وفي قرار آخر قضت محكمة التمييز ( ... وجد أن المميز عليه كان قد أبرم عقد مقاولة مع المميز وبعد تنفيذ العقد أقام المميز عليه الدعوى بطلب الحكم بإلزام المميز بمبلغ ... تعويضًا عما أصابه من خسارة بسبب زيادة أسعار الحديد زيادة فاحشة أثناء تنفيذ العقد, فأصدرت محكمة البداءة حكمًا بإلزام المدعى عليه بالمبلغ المدعى به, فاستأنف المدعى عليه الحكم البدائي فأيدت محكمة الاستئناف الحكم ... وحيث أن الذي تراه الهيئة العامة هو أن ما قررته المادة 878/مدني هو تطبيق في عقد المقاولة لنظرية الظروف الطارئة التي تقرر مبدأها في المادة 146/ 2 من القانون المدني, فشروط تطبيق نظرية الظروف الطارئة في عقد المقاولة هي نفس شروط تطبيقها في مبدأها العام ... ولما كان مفهوم الشرط الأول فيها هو أن تفصل فترة من الزمن بين إبرام عقد المقاولة وتنفيذه, وينبني على هذا أن انطباق نظرية الظروف الطارئة يمتنع إذا كان المقاول قد نفذ التزامه لأن النظرية ترد على التزام لم يتم تنفيذه فيستند إليها المقاول لرفع الإرهاق الذي حل به من جراء الحادث الطارئ وتنفيذ المقاول التزامه خير دليل على أن ما ترتب على الحادث الطارئ من ارتفاع الأسعار لم يكن مرهقًا له, ولما كان ذلك وكان عقد المقاولة المبرم بين الطرفين قد تم تنفيذه فليس للمميز

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت