الصفحة 5 من 17

و لهذا السبب عالج الفقه الإسلامي نظرية الظروف الطارئة من خلال مسائلها المختلفة والجزئيات المتفرعة عنها ووضع الحلول العملية المناسبة لها ولكل حالة منها على وجه التحديد. وبعبارة أخرى يمكن القول أن الفقه الإسلامي قد سلك الأسلوب الموضوعي في المعالجة للمسائل الناجمة عن الظروف الطارئة مسألة مستلهمًا مقتضيات العدالة ومبادئ الأخلاق ولذلك كان طابع الرفق بالناس هو الغالب, عند تنفيذ العقود.

الفصل الثاني

تطور نظرية الظروف الطارئة وتطبيقاتها

في العصر الحديث

المبحث الأول

في الفقه والقضاء

من أجل متابعة دراسة مراحل تطور نظرية الظروف الطارئة وتبيان الأفكار المختلفة بشأنها بغية تحديد الاتجاهات المتعارضة بشأنها بين مؤيد ومعارض سواء في الفقه أو القضاء في العصر الحديث وسنتناول هذا الموضوع كما يلي:-

أولًا: تطور النظرية في الفقه والقضاء الفرنسي

بعد ضعف نفوذ الكنيسة على كافة الأصعدة ومن ثم انتصار الثورة الفرنسية بدأت النزعة الفردية أو ما يطلق عليه المذهب الفردي بالانتعاش والتوسع, وكان من نتيجة ذلك سيادة مبدأ سلطان الإرادة الذي يدعو إلى منح الحرية التامة لإرادة الأفراد في تحديد الآثار التي تراها مناسبة وبعدم وجود حدود تحدها إلا حدود المصلحة العامة (22) . فطبقًا لهذا المبدأ تعتبر الإرادة وحدها مصدرًا للالتزامات التعاقدية حيث لا يلتزم أحد في عقد أو يكتسب منه حقًا إلا بإرادته الحرة, وعلى هذا فإن المتعاقد يلتزم بأي دين ينشأ من العقد مهما كان مرهقًا له. وينشأ عن هذا المفهوم نتيجة مهمة وهي أن التعادل أو التوازن المقصود في العقد ليس بين الشيئين المتبادلين وإنما بين الإرادتين الحرتين لكل من المتعاقدين (23) . فإذا نشأ العقد نتيجة للتعبير عن هاتين الإرادتين, أصبح مثل هذا العقد شريعة للمتعاقدين لا يمكن نقضه أو تعديله إلا باتفاق إرادتيهما الحرتين أيضًا.

وقد عكست هذه المفاهيم ظلالها على التشريعات التي كانت قد صدرت في تلك المرحلة التاريخية ومن بينها القانون الفرنسي حيث أطلق هذا القانون حرية التعاقد واعتبرها رابطة لا تقبل الفسخ والتعديل إلا باتفاق المتعاقدين أو بمقتضى نص في القانون.

وأمام هذه القوة الملزمة للعقد التي أضفاها عليه القانون ذاته, لم يتمكن القضاء الفرنسي من أن يعدل في العقود أو يضيف إليها ما ليس فيها عندما تعرض عليه منازعات بشأنها, فليس أمامه إلا أن يقضي بما تضمنته العقود من التزامات وواجبات وما اشتملت من حقوق, وقد أدى هذا الوضع إلى تراجع واضح لنظرية الظروف الطارئة, حيث أن سلطان الإرادة و نظرية الظروف الطارئة لا يلتقيان على صعيد واحد. فانتعاش أحدهما لابد أن يكون على حساب الآخر. والعكس صحيح. بحكم التعارض إلى حد التناقض بين أهداف ومرامي كل من نظرية الظروف الطارئة ومبدأ سلطان الإرادة.

أما بالنسبة للفقه الفرنسي فلم يتفق على رأي أو اتجاه موحد بشأن نظرية الظروف الطارئة ومدى الأخذ بها من عدمه, حيث حاول قسم من الفقهاء أيجاد السند القانوني للنظرية ضمن المبادئ العامة للتشريع الفرنسي ليمهدوا الطريق أمام القضاء للأخذ بها من خلال الأفكار التي أثارها ومنها إن النظرية تقوم على أساس المبدأ القاضي بأن العقود يجب تنفيذها بحسن نية وليس من حسن النية أن يتعسف الدائن بالمدين إذا كان التزام هذا المدين مرهقًا له لظروف طارئة لم تكن في حسبانه, كما ليس من العدل أن يحاسب المدين عن ظروف طارئة سببت ضررًا جسيمًا لم يكن متوقعًا وقت العقد. وإن النظرية تستند إلى مبدأ عدم التعسف في استعمال الحق ومبدأ الإثراء بلا سبب وقد رد خصوم النظرية على ذلك بقولهم إن حسن النية يقضي بأن ينفذ المتعاقدان ما اتفقا عليه وإن الدائن لم يثرَ بلا سبب بل إن هناك سببًا لإثرائه وهو العقد. بالإضافة إلى أن الدائن حين يطالب بحقه الذي تعاقد على أساسه ومن أجله لا يعتبر متعسفًا في طلبه هذا رغم الاختلاف في ظروف تنفيذ المدين لالتزامه (24) .

ثانيًا: موقف القضاء المصري من النظرية

لم يكن يأخذ القضاء المصري بنظرية الظروف الطارئة قبل النص عليها في القانون المدني النافذ حاليًا. فقد كان القضاء المصري في ظل القانون القديم قد استقر على مبدأ يقضي بأن الالتزام لا ينقضي إلا إذا صار تنفيذه مستحيلًا أما إذا كان التنفيذ ممكن فإنه يجب القيام به حتى لو كان مرهقًا للمدين (25) .

وقد اتجهت محكمة استئناف مصر إلى الأخذ بنظرية الظروف الطارئة في قضية عرضت عليها حيث قضت ( ... إنه وإن كان من المقرر احترام العقود باعتبارها قانون المتعاقدين وما دام لم يصبح تنفيذها مستحيلًا استحالة مطلقة لحادث قهري, إلا إنه يجب أن يكون ذلك مقيدًا بروح الإنصاف ومقتضيات العدالة, فإذا طرأت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت