تجعل تنفيذ الالتزام مستحيلًا وبها ينقضي العقد, بينما الظرف الطارئ يجعل تنفيذ الالتزام مرهقًا دون أن يبلغ حد الاستحالة والإرهاق هو الشرط الوحيد الذي ينتج أو ينشأ من العقد نفسه وينقل نظرية الظروف الطارئة من الميدان النظري إلى ميدان العمل. وإذا لم يحصل شرط الإرهاق امتنع تطبيق نظرية الظروف الطارئة حيث قضت محكمة التمييز في قرار لها حول هذا الموضوع بما يلي ( ... وجد أن الحكم المميز بالنظر لما أستند إليه من أسباب موافق للقانون ... إذ أن تنفيذ الالتزام لم يصبح مرهقًا للمدين بحيث يهدده بخسارة فادحة ... ) (56) . وهنا يطرح سؤال مهم نفسه على بساط البحث وهو كيف يتم تحديد الإرهاق أو الخسارة الفادحة؟ وما هي الأسس والمعايير التي تعتمد في ذلك؟ الإرهاق كما تقول محكمة التمييز ( ... حالة متغيرة تتغير بتغير الظروف فما يكون مرهقًا لمدين لا يكون مرهقًا لمدين آخر وما يكون مرهقًا لمدين في ظروف معينة لا يكون مرهقًا لنفس المدين في ظروف أخرى ... ) (57) .
ولغرض الوصول إلى تقدير الإرهاق يتم الاعتماد على معيارين:
الأول: موضوعي وهو يتعلق بالعقد ذاته وعلى أساسه يتم تحديد الفرق في القيمة بين كل من قيمة الالتزام أثناء التعاقد وقيمته أثناء التنفيذ ووقوع الظرف الطارئ. ومن ثم البحث حول ما إذا كان الفرق المذكور يصل إلى مستوى الخسارة الفادحة للمدين.
أما المعيار الثاني فهو معيار شخصي يتعلق بحالة المتعاقد ذاته حيث نبحث امكاناته وظروفه وصولًا إلى تحديد ما إذا كان تنفيذ المدين لالتزامه مرهقًا له أم لا؟ هذا وعلى المحكمة أن تستعين بالخبراء والجهات ذات الاختصاص للوصول إلى الغرض المذكور وليس لها الانفراد في الرأي في تقدير تحقق الإرهاق من عدمه وبهذا قضت محكمة التمييز ( ... ليس للمحكمة أن تنفرد برأيها في تقدير عدم تأثير زيادة الرسوم الكمركية على التوازن الاقتصادي بين الطرفين بل عليها أن تستطلع رأي الخبراء في ذلك ... ) (58) . وحول نفس الموضوع وفي قرار آخر لها أكدت محكمة التمييز أهمية الخبرة في تحديد الإرهاق حيث قضت ( ... حتى إذا قدر الخبراء ذلك وازنت المحكمة بين مصلحة الطرفين فإن أتضح لها أن الالتزام أصبح مرهقًا أنقصته إلى الحد المعقول ... ) (59) .
ولا تعتبر الخسارة المادية المألوفة في التعامل من قبيل الإرهاق, فكما يحتمل التعامل التجاري الربح فإنه يحتمل الخسارة أيضًا ما دامت مألوفة ومتوقعة وذلك تطبيقًا لقاعدة (الغرم بالغنم) وبهذا قضت محكمة التمييز ( ... وجد أن الارتفاع الذي طرأ على المادة التي وقع التعهد عنها لا يعتبر غير اعتيادي إذ أن ارتفاع الثمن وانخفاضه لمادة استهلاكية يعتبر نتيجة محتملة لثمن تلك المادة وفق العرض والطلب فالزيادة أو النقص لا يخلان بمنطوق التعهد أو يجعلانه مرهقًا ... ) (60) .
وبالإضافة إلى ما تقدم توجد بعض الأسس التي يجب مراعاتها في تحديد الإرهاق منها الأخذ بنظر الاعتبار جميع أوجه النشاط الاقتصادي التي يمارسها المتعاقد والتي يقوم بينها اتصال وثيق بحيث يمكن اعتبارها فرعًا من الالتزام الأصلي, أو ما إذا كان المتعاقد يمارس أنشطة متعددة ومختلفة بمقتضى عقد واحد حيث تؤخذ جميع هذه الأنشطة ومردوداتها المالية عند تقدير الإرهاق الذي يتعرض له المتعاقد بسبب الظرف الطارئ, كما لا يدخل في حساب الخسائر ما قد تحمله المتعاقد منها قبل وقوع الظرف الطارئ إذ تقع هذه الخسائر على المتعاقد وحده باعتبارها ضربًا من ضروب المخاطرة التي يتعرض لها المتعاقد عادةً (61) .
هذا وإنه من المتفق عليه فقهًا وقضاءًا أنه يمكن للمحكمة الاستعانة بجميع وسائل الإثبات ومنها القرائن لتحديد درجة الإرهاق أو الخسارة.
المبحث الثاني
آثار النظرية في تنفيذ الالتزامات
إذا توافرت الشروط القانونية لتطبيق نظرية الظروف الطارئة, فما مدى ذلك على استمرارية المدين في تنفيذ التزامه المرهق له؟ وإذا نفذ التزامه رغم إرهاقه وتعرضه إلى خسائر مادية فادحة فهل يستطيع المطالبة بتطبيق النظرية ومن ثم الاستفادة من أحكامها؟ إن الإجابة على هذه التساؤلات وغيرها سوف نتولاها في هذا المبحث وكما يلي:
أولًا: حالة استمرار المدين في تنفيذ الالتزام:
على المتعاقد الذي يطالب بتطبيق نظرية الظروف الطارئة ويتمسك بها أن يستمر في تنفيذ التزامه بالرغم من الظرف الطارئ الواقع وتأثيراته الضارة على المتعاقد وإذا توقف عن تنفيذ التزاماته العقدية كما هي واردة في العقد, فيكون عندئذ غير جدير بالحماية التي تقررها فكرة (نظرية الظروف الطارئة) في مساعدة المدين والأخذ بيده لغرض تمكينه من تنفيذ ما كان قد التزم به, وبهذا المعنى قضت محكمة التمييز ( ... يتبين من أوراق الدعوى أن المدعين(المميز عليهم) قد حصروا دعواهم بالأضرار التي أصابتهم جراء تنفيذ العقد المبرم بين الطرفين استنادًا إلى نظرية الظروف الطارئة وقد أقر المدعون في عريضة الدعوى أنهم توقفوا عن تنفيذ العقد, بينما كان عليهم أن يستمروا بتنفيذ العقد إلى نهايته ... ولما كانت المادة 146/ 2 من القانون