ثم ماذا؟!
ظن الرماة الذين على الجبل أن المعركة قد حُسِمت، ودورهم قد انتهى، ولم يعد هناك جدوى من بقائهم على الجبل، فهموا بالنزول لمساعدة إخوانهم في جمع الغنائم والأسرى.
فنهاهم جابر بن عبدالله - رضي الله عنه - عن ذلك، وذكَّرهم بقوله - صلى الله عليه وسلم - ألا تبرحوا أماكنكم، ولو تخطَّفنا الطير، فأبوا إلا المخالفة، وتأولوا قائلين: لقد نهانا - صلى الله عليه وسلم - عن مغادرة أماكننا في أثناء سير المعركة، أما وقد انتهت، فلم يعد هناك جدوى من بقائنا.
ثم ماذا؟!
كانت السنة الإلهية التي لم ولن تتغير أو تتبدل مع أي جيل كائنًا ما كان، حتى ولو كانوا خير جيل، وهو جيل الصحابة - رضي الله عنهم - ولا مع أي شخص، حتى ولو كان هذا الشخص هو سيد ولد آدمَ، وأحب الخلق إلى الحق - صلى الله عليه وسلم - وذلك حينما أبصر خالد بن الوليد - وكان قائدًا لخيل جيش المشركين آنذاك - الرماة وهم ينزلون من على الجبل، فعلم بخبرته العسكرية أن هناك ثغرًا قد انفتح بذلك على المسلمين، ومن الممكن أن يغيِّر نتيجة المعركة، فاهتبل الفرصة، والتف من خلف الجبل، وصعده، وقتل جابرًا - رضي الله عنه - ومن بقِي معه من الرجال الثابتين، وكانوا تسعة تقريبًا، ثم انحدر من على الجبل؛ ومعه فرسان المشركين كالصخور الصماء، فانقضُّوا على المسلمين من الخلف، وصاحوا صيحة واحدة نبهت الفارين من المشركين، فكَرُّوا على المسلمين بعد فرارهم، وانحصر المسلمون، واختلفت سيوف المسلمين بعضهم في بعض، ووقعت الهزيمة النكراء للمسلمين، فلا حول ولا قوة إلا بالله، وإنا لله وإنا إليه راجعون، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
ويكفي للإشارة إلى عِظَم الفجيعة، أن نذكِّر ببعض ما كان فيها من أحداث مروعة؛ حيث قتل سبعون من أشرف الصحابة الأجلاء - رضي الله عنهم - وكان بينهم أول سفير للإسلام، ذلك الفتى الجَلد الذي باع الدنيا وزينتها، وأفنى شبابه الغض في الدعوة إلى الله - عز وجل - فقتل مصعب بن عمير - رضي الله عنه - وكان حامل اللواء، ولم يجدوا له كفنًا، وهو من هو في الترف والرفاهية في جاهليته، ولكن الإسلام صنع منه شيئًا آخر؛ حيث جعل منه جبلًا أشمَّ، وبطلًا مغوارًا لا يلتفت إلى سفاسف الأمور ودناياها، ولا تشغله إلا المعالي والعظائم.
وقتل أسد الله حمزة - رضي الله عنه - عمُّ النبي - صلى الله عليه وسلم - وبُقرت بطنه، واستُخرجت كبِده، ولاكتها امرأة، ومُثِّل بالمسلمين، وجُدِعت - أي: قطعت - أنوفهم، وآذانهم، وذكورهم،