الصفحة 35 من 54

لقد اعتاد العرب شرب الخمر، حتى صارت عندهم أهم من الماء، والخمر مع أنها تذهب بالعقل، إلا أنها وإن أذهبت بعقولهم، فلم تستطع أن تنال من هذه العقيدة الراسخة في فؤادهم، ألا وهي: إن الإسلام لن يكون له أي معنًى، والإيمان لن يكون له أدنى قيمة إذا جعل الإنسان لنفسه حق الاختيار مع أوامر الله - عز وجل - ورسوله - صلى الله عليه وسلم -.

إن الإسلام كان يعني عند هؤلاء مطلق الاستسلام لسائر شريعة الله - عز وجل -.

إن كلمة التوحيد لم تكن عند هؤلاء مجرد ألفاظ جوفاء، يتلفظ بها الإنسان خالية من المعنى.

بل كانوا يعلمون أن أولى مقتضيات كلمة التوحيد هو: التطبيق الكامل، والإذعان المطلق، والطاعة الفورية، والاتباع الحرفي، والالتزام الشامل بكل ما جاء في كتاب الله - عز وجل - أو سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -.

ولذلك فمع شدة إدمانهم للخمر، لم يترددوا عندما جاء التحريم أدنى تردُّد، بل ولم يسوِّفوا في التوبة أدنى تسويف، ولم يقولوا مثلًا: نحن سننتهي، ولكن بالتدريج، فنشرب عشرين كأسًا في الليلة، ثم نُخفض الجرعة إلى عشرة، ثم نخفض الجُرعة إلى خمسة، ثم إلى واحد، ثم نُقلع نهائيًّا، حتى لم يقولوا: ننتهي عندما ينتهي ما لدينا من خمر.

بل ولم يقولوا: هذا آخر مجلس نشرب فيه، فلنكمل هذا المجلس حتى نودع شرب الخمور،

وحتى لم يقولوا: آخر كأس، ولا حتى آخر شربة، ولا شيئًا من ذلك العبث، والجهل الذي نسمعه من المنتسبين إلى الإسلام اليوم من المهازيل المخذولين، فتسمع أحدهم قائلًا: لقد اعتدنا شرب الدخان، ولن نستطيع التوقف عنه أبدًا، هذا شيء يجري في دمائنا.

أو سنتوقف، ولكن بالتدريج: علبة، فنصف، فسيجارة! ما هذا العبث والاستخفاف بشرع الله - عز وجل -؟

المثال الثالث: للنساء، وتَرويه أمنا عائشة - رضي الله عنها - قالت:"يرحم الله نساء المهاجرات الأُول لَما أنزل الله: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} [النور: 31] ، ذهبن إلى مروطهن - الأكسية من الصوف الثقيل - فشَققنها من قِبَل الحواشي - أي الأطراف - فاختمرنَ بها، فشَهِدن الصلاة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كأنهن الغربان"؛ (حم، خ، د) .

عندما أنزل الله آية الحجاب، لم يقلن: لَمَّا نتزوج! أو لَمَّا تُبلى ثياب التبرُّج التي لدينا نتوب إلى الله، ونختمر، أو حتى لم يقلن: عندما يشتري لنا آباؤنا وأزواجنا ثيابًا جديدة، نختمر، كلاَّ وألف ألف كلاَّ وكلا، بل ذهَبن إلى أثقل الثياب الصوفية التي عندهن في دورهن فشَققنها، وقُمن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت