-إلا أن القضية مع عِظَم خطرها، وجليل قدرها، لا تحتل عند الكثير من الناس، ولا تنزل في قلوبهم المكانة اللائقة بها، والتي وضعها ربنا فيها، حتى إني عندما كنت أتواصى مع بعض إخواني مذكرًا لنفسي وإياهم بفضْل أوَّل عشرة أيام من ذي الحجة، فجعلت العبودية الأولى التي نتواصى بها هي عبودية إصلاح ذات البين، فتساءل أحد إخواننا الفضلاء دهشًا: وهل إصلاح ذات البين عمل صالح؟ فأجبت بدهشة أعظم: يقول ربي - جل وعلا - وخير القول قول ربي، ونعم القول قول ربي: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 1] .
قال ابن عباس - رضي الله عنه:"هذا تحريج من الله على المؤمنين أن يتقوا الله، وأن يصلحوا ذات بينهم"، (خد) .
ولا يخفى أن الله - عز وجل - قد أمر الأمة بهذا الأمر الطيِّب، مع أنهم كانوا يسألون عن الأنفال، ولكن الله بصفته الرب الذي يجب أن يلفت نظر مَربوبيه إلى ما هو أهم وأنفع لهم، حتى وإن كان - لقصور فَهْمهم - غائبًا عن أفهامهم المنشغلة بالحياة الدنيا، فالسؤال أصلًا كان عن الأنفال، ولكن الله - عز وجل - بحكمته لم يتحدث عن الأنفال التي هي موضع السؤال، ولم يتحدث عن الأنفال إلا في الآية الواحدة والأربعين من السورة؛ توكيدًا على خطورة وأهمية إصلاح ذات البين بين المسلمين، وتقديمها على غيرها من القضايا، حتى وإن كانت قضية توزيع الغنائم والأنفال، وهي القضية التي كانت تشغل بال الكثيرين من المسلمين حينئذ.
-كما تتَّضح خطورة هذه القضية أيضًا ومدى فُحش التفريط فيها، وشناعة التهاون في العمل بها - من خلال الحديث الذي رواه الزبير بن العوام - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( دبَّ إليكم داء الأمم قبلكم، الحسد، والبغضاء، ألا إنها هي الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين، والذي نفسه بيده - أو: والذي نفس محمد بيده - لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولن تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعَلتموه تحابَبتم، أفشوا السلام بينكم ) )؛ (حم) ، وإسناد الحديث، وإن كان الراجح فيه الانقطاع، إلا أنه له شواهد؛ منها: حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - ورواه ابن عدي في الكامل بإسناد ضعيف أيضًا، ويشهد لصدر الحديث ما رواه أبو الدرداء - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة، والصيام والصدقة؟ ) )، قالوا: بلى، قال: (( إصلاح ذات البين ) )، قال: (( وفساد ذات البين هي الحالقة ) )؛ (ص) ، (حم) .