إلى الموت عفيفات قبل أن يحملن سفاحًا، لينمو في بطونهن أعظم آية، وأكبر برهان على تخاذُلنا، وما بلغ بنا من الذل والهوان والصَّغار والمسكنة لسائر أمم الأرض، بما فيهم أحفاد القردة والخنازير - عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة، والملائكة، والناس أجمعين.
-وأختم الحديث على أخطر عوامل النصر من تطهير نيَّة الجهاد في سبيل الله - عز وجل - من سائر المكدرات القومية، والوطنية، والحزبية، وما عدا ذلك، وتمحيض النية لله وحده لا شريك له؛ لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى، بموقف النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما دخل مكة؛ حيث إنه لم يرخِّص للمهاجرين بالمكث في مكة أكثر من ثلاثة أيام، بل وسمَّى سعد بن خولة - رضي الله عنه - بالبائس، وذلك أنه مات بمكة قبل أن يعود إلى دار هجرته بالمدينة المنورة، وما ذاك إلا لتمحيض نية الجهاد لله - عز وجل - إذ لم يكن جهاد النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن معه من الصحابة الأجلاء - رضي الله عنهم - من أجل فتح مكة حنينًا إلى العودة للوطن الذي أخرجوا منه بغير وجه حق، إلا أنهم يقولوا: ربنا الله، وإنما رغبة في تطهير أرض الله من دنس الكفر، ورجس الشرك، ونشْر كلمة التوحيد، وإنقاذ المستضعفين من المؤمنين والمؤمنات الذين يُفتنون في دينهم، ويتعرضون لإذلال وتعذيب صناديد الكفر من طواغيت مكة الجبابرة.
-وهكذا فالائتساء بهذه المواقف النبوية يلفت نظرنا إلى أن الصادقين من المجاهدين لا يقاتلون من أجل العودة إلى ديارهم التي أُخرجوا منها بغير وجه حق، بحيث إذا تحقَّق لهم ذلك، كانوا قد حقَّقوا مرادهم، بل ما يعنيهم هو تطهير بلاد الله من دنس الكفر، ورجس الشرك، ثم الانتقال إلى تطهير بلدة أخرى من بلاد المسلمين المحتلة، وأما الذين لا يدفعهم إلى الجهاد إلا الحنين للعودة والعيش في أوطانهم التي تربطهم بها ذكريات جميلة، فما هؤلاء إلا بؤساء تُعساء؛ كما أخبر بذلك - صلى الله عليه وسلم - ألا فليَعملن هؤلاء البؤساء أنهم بهذه النية لا يستحقون النصر من الله - عز وجل - إذ كما سبق بيانه أن نصر الله - عز وجل - لا يتنزَّل إلا على الذين يقاتلون؛ كي تكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى.
والخلاصة:
يجب أن نعلم يقينًا أن الله - عز وجل - لا يرضيه البتة أن تنتصر قومية على أخرى، كما لا يسخطه إطلاقًا أن تظهر وطنية على غيرها، فالحق - جل وعلا - لا يرضيه أن ينتصر العرب على العجم، كما لا يسخطه أن يظهر العجم على العرب، وعلى هذا فالحق - سبحانه وتعالى - كما أنه لا يمكن أن ينصر الأمريكان على العراقيين، كذلك لا يمكن أن يؤيد العراقيين على الأمريكان، فالحرب الوحيدة التي لا بد حتمًا أن يتدخل فيها ربنا - جل وعلا - لصالح فريق