إذًا فمن مات رغبةً في الدنيا، فهو في النار، ومن قاتل ليقال: إنه شجاع، فهو في النار، وقد مات ميتة جاهلية عياذًا بالله، ومن قاتل للعروبة، فهو في النار، ومات ميتة جاهلية، ألا فحَرِيٌّ بنا، ثم حري بنا، أن نُعنى أول ما نُعنى بتصحيح النية لله - عز وجل - فنحن لا نتعصب لقومية ولا وطنية، بل يجب أن نكفر بكل القوميات، والوطنيات، والحزبيات، وسائر الانتماءات، وأن نُمحض ولاءَنا، وانتماءنا للإسلام، وللإسلام فحسب، وأن نرعى حرمة دم المسلم في الوقت الذي أصبح دمه أهونَ من دم الكلاب على سائر الأمم، فإن هان على سائر الأمم، فلا يهون على إخوانه المسلمين أبدًا.
وأما إقامة الحروب بين المسلمين غضبةً للقومية والعصبية، فهذه شر انتكاسة إلى الجاهلية النتنة التي طهَّرنا الله منها بالإسلام، فإني أحذِّر هؤلاء المتعصبين لأي قومية - سواء كانت عربية، أو أعجمية - من الموت على جاهليتهم المنتنة، أو بتعبير أدقَّ أنقل لهم تحذير نبينا - صلى الله عليه وسلم - هذا التحذير الذي جاء في الحديث الذي رواه أبو هريرة - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة، فمات، مات ميتة جاهلية، ومَن قاتل تحت راية عِمِّية، يغضب لعصبية، أو يدعو إلى عصبية، أو ينصر عصبته، فقتِل، فقِتْلة جاهلية، ومن خرج على أُمتي يضرب برَّها، وفاجرها، ولا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفي لذي عهدٍ، فليس مني ولست منه ) )؛ (خ، م) ، هذه النعرات الجاهلية، والتي وأَدها الله بالإسلام، أعادها قوم لا دين لهم ولا خلاق.
هؤلاء المناتين الذين باعوا دينهم وأُمتهم بثمن بخسٍ رغبة في السلطة، فراحوا ينفخون في المسلمين نارًا خبيثة قد أطفأها الله بالإسلام.
إن أعداءنا هم أحرص الحريصين على تعميق هُوَّة الخلاف بين المسلمين، وهذا شيء طبعي جدًّا لا يستوجب الاندهاش؛ إذ هم المنتفع الأول والأخير من وراء هذا التمزق والتشرذم لأمتنا، فعندما يفترق المسلمون، فهذا يقول: أنا عربي، وهذا يقول: أنا كردي، وهذا يقول: أنا تركي، وهذا، وهذا، إلى آخر هذه المهزلة الجاهلية النتنة الخبيثة.
ليس هذا فقط، بل العرب ينقسمون على أنفسهم، فهذا يعتز بمصريته، وأنه من أبناء الفراعنة، وهذا يعتز بعراقيته، وذاك يفتخر بأنه من سلالة الآشوريين، وهذا يمجد أبناء الجزيرة العربية، ثم يأتي أبناء الجزيرة ينقسمون كذلك قبائل متناحرة، وعشائر متشاحنة، وهؤلاء الأكراد كذلك ينقسمون على أنفسهم، وتظل هذه الانقسامات اللانهائية تفتِك بجسد أمتنا الإسلامية، وأعداؤنا - فحسب - هم المنتفعون أولًا وأخيرًا من وراء كل هذه الجاهليات المنتنة، وليس على أعدائنا