وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: إنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- ذُكِر له صَوْمي فدخلَ عَليَّ، فألقيْتُ له وسادةً من أَدَمٍ، حَشْوُها لِيفٌ، فجلس على الأرض، وصارَتِ الوِسادةُ بيني وبينَه. فقال: (( أما يَكفيكَ من كلِّ شهرٍ ثلاثةُ أيَّامٍ؟ ) ). قال: قلتُ يا رسولَ الله ...
قال: (( خمسًا؟ ) ). قلتُ: يا رسولَ الله ...
قال: (( سبعًا؟ ) ). قلتُ: يا رسولَ الله ...
قالَ: (( تسعًا؟ ) ). قلتُ: يا رسولَ الله ...
قال: (( إحدى عشرة ) ).
ثم قال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (( لا صومَ فوق صوم داود عليه السَّلام: شطر الدَّهرِ، صُمْ يومًا، وأفطِرْ يومًا ) )أخرجه البخاري ومسلم [1] .
قال ابن حجر في فوائد هذا الحديث: (( بيانُ رِفْقِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأمته وشفقتِه عليهم، وإرشادُه إياهم إلى ما يصلحهم، وحثُّه إياهم على ما يطيقون الدوام عليه، ونهيُهم عن التعمُّق في العبادة؛ لما يخشى من إفضائه إلى الملل المفضي إلى الترك أو تركِ البعض، وقد ذمَّ الله تعالى قومًا لازموا العبادة ثم فرّطوا فيها ) ) [2] .
ونقل عن المُهلَّب قوله: (( كان داود عليه السلام يُجِمُّ نفسَه بنوم أول الليل، ثم يقوم في الوقت الذي ينادي الله فيه: هل مِنْ سائلٍ فأُعطيَه سُؤْلَه، ثم يستدرك بالنوم ما يستريح به من نَصَبِ القيام في بقية الليل ... وإنما صارت هذه الطريقة أحبَّ من أجل الأخذ بالرِّفْق للنَّفْس التي يُخْشَى منها السآمة،
(1) البخاري: كتاب الصوم - باب صوم داود عليه السلام (1980) ، ومسلم: كتاب الصيام - باب النهي عن صوم الدهر ... 2: 817 حديث 191 (1159) .
(2) (( فتح الباري ) )4: 265.