وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنتُ أمشي مع النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- وعليه بُرْدٌ نَجْراني غليظُ الحاشية، فأدركه أعرابيٌّ فجذبه جذبةً شديدةً حتى نظرتُ إلى صفحةِ عاتق النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- قد أثَّرَتْ به حاشيةُ الرِّداء من شِدَّة جَذْبته، ثم قال: مُرْ لي مِنْ مالِ الله الذي عندك، فالتفتَ إليه فضحك، ثم أمر له بعطاءٍ.
عن عائشة رضي الله عنها أنَّ رجلًا استأذن على النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فلمَّا رآهُ قال: (( بئس أَخو العشيرةِ، وبئس ابنُ العشيرةِ ) ). فلما جَلس تَطَلَّقَ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- في وجهه وانبسطَ إليه، فلمَّا انطلقَ الرَّجلُ قالت له عائشة: يا رسولَ الله حين رأيْتَ الرَّجلَ قُلْتَ له كذا وكذا، ثم تَطَلَّقْتَ في وجهِه وانبسَطْتَ إليه؟ فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: (( يا عائشةُ متى عَهِدْتِني فحّاشًا، إنَّ شرَّ النَّاسِ عند الله منزلةً يومَ القيامةِ من تركَه النَّاسُ اتِّقاءَ شرِّه ) ) [1] .
وفي هذا من التّعامل بالأخلاق الحسنة مع الأحمق ما هو ظاهر، كالانبساط له، وإلانة القول في محادثته، والترفُّق في التعامل معه، وهذا من باب المداراة، وليس من المداهنة في شيء.
قال القرطبي: (( الفرق بين المدارة والمداهنة: أن المداراة بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين أو هما معًا، وهي مباحة، وربما استُحِبَّتْ، والمداهنةُ ترك الدّين لصلاح الدنيا، والنبيُّ -صلى الله عليه وسلم- إنما بذل له من دنياه حُسْنَ عِشْرَتِه والرِّفْقَ في مكالمته، ومع ذلك فلم يمدحه بقولٍ، فلم يناقض قولُه فيه فِعْلَه، فإنَّ قولَه فيه قولُ حقٍّ، وفِعْلَه معه حُسْنُ عِشْرة، فيزول مع هذا التقرير الإشكال بحمد الله تعالى ) ) [2] .
(1) البخاري: كتاب الأدب - باب لم يكن النبي -صلى الله عليه وسلم- فاحشًا ولا متفاحشًا (6032) ، ومسلم: كتاب البر والصلة والآداب - باب مدراة من يتقى فحشه 4: 2002 حديث 73 (2591) .
(2) نقلًا عن (( فتح الباري ) )10: 469.