وأما المُصاب: فقد روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال لامرأةٍ من أهله: تعرفين فلانة؟ قالت: نعم. قال: فإنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- مرَّ بها وهي تَبْكي عند قبرٍ فقال: (( اتَّقي الله واصْبِري ) ). فقالت: إليكَ عنِّي، فإنَّكَ خِلْوٌ من مُصِيبتي. قال: فجاوَزَها ومَضَى.
فمرَّ بها رجلٌ فقال: ما قال لكِ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-؟.
قالت: ما عرَفْتُه!
قال: إنه لرسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-.
قال: فجاءَتْ إلى بابه فلم تَجِدْ عليه بوَّابًا، فقالت: يا رسول الله، والله ما عرَفْتُكَ.
فقال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (( إنَّ الصَّبرَ عِنْدَ أَوَّلِ صَدْمَةٍ ) ). رواه البخاري ومسلم [1] .
ولفظه عند مسلم: فلما ذهب قيل لها: إنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأخذها مثلُ الموت، فأتَتْ بابَه ... الحديث.
قال ابن حجر: (( وفي هذا الحديث من الفوائد غيرِ ما تقدَّم: ما كان فيه عليه الصلاة والسلام من التَّواضُعِ، والرِّفْق بالجاهل، ومسامحةِ المُصاب، وقبولِ اعتذاره .... ) [2] .
وأما العدو: فبعد الظَّفَر به والتمكُّن منه يأتي الأمر النبوي بالرِّفق به:
عن سَلَمَةَ بنِ الأَكْوَع رضي الله عنه قال: خرجْتُ من المدينةِ ذاهبًا نحوَ الغابة، حتى إذا كُنْتُ بِثَنِيَّةِ الْغَابَةِ لَقِيَني غلامٌ لِعبد الرحمن بن عَوْف، قلتُ: وَيْحَكَ! مَا بِكَ؟ قال: أُخِذَتْ لِقَاحُ [3] النَّبيِّ -صلى الله
(1) البخاري: كتاب الأحكام - باب ما ذكر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يكن له بواب (7154) ، ومسلم: كتاب الجنائز - باب في الصبر على المصيبة عند الصدمة الأولى 2: 637 حديث 15 (926) .
(2) (( فتح الباري ) )3: 179 عند شرح حديث (1283) .
(3) اللِّقاح: واحدها لِقْحة، وهي ذات اللبن قريبة العهد بالولادة. (( شرح صحيح مسلم ) )12: 173.