فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 138

عليه وسلم-. قلتُ: مَنْ أخذها؟ قال: غَطَفانُ وفَزارةُ. فصرخْتُ ثلاثَ صَرَخاتٍ أسمعْتُ ما بين لابَتَيْها: يا صباحاه، يا صباحاه. ثم اندفعْتُ حتى ألقاهم وقد أخذُوها، فجعلتُ أَرْميهم وأقول: أنا ابنُ الأَكْوَعِ، واليومُ يومُ الرُّضَّعِ، فاستنقَذْتُها منهم قبلَ أن يشربوا، فأقبلْتُ بها أسوقُها، فلَقِيني النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- فقلتُ: يا رسولَ الله، إن القومَ عِطاش، وإني أَعْجَلْتُهم أن يشربوا سِقْيَهُم، فابعَثْ في إِثْرِهِم، فقال: (( يا ابنَ الأَكْوَع، ملكْتَ فأَسْجِحْ. إنّ القومَ يُقْرَوْن في قومهم ) )رواه البخاري ومسلم [1] .

قال النووي: (( قوله -صلى الله عليه وسلم-(ملَكْتَ فأَسْجِحْ) ... معناه: فأَحْسِنْ وارْفُقْ، والسَّجَاحةُ: السُّهولة، أي: لا تأخذ بالشِّدَّة، بل ارْفُقْ؛ فقد حصَلَتْ النِّكايَةُ في العدُوِّ، ولله الحمد )) [2] .

وأما الأسير: فإن الإسلام دين الرِّفق بكلِّ ما تحمله الكلمة من معنى؛ ليشمل هذا الرِّفق أسير الحرب الذي كان من قريب يحمل السلاح في وجوهنا، ويقصد الإيقاع بنا.

وقد عرف المسلمون هذا الحقَّ للأسير - كما عرفوه سلوكًا عامًا يضبط تصرفاتهم وأحوالهم مطلقًا - من هدي نبيهم الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، في وقتٍ شاع فيه الظُّلم والاضطهاد والفوضى، ومن قبل أن تضطّر البشرية إلى إقامة منظّمات وهيئات تنادي بحقوق الأسرى، وما قيام تلك المنظمات والهيئات مؤخرًا إلا لكثرة ما وقع ويقع من ظلم وعذاب على هؤلاء الأسرى في غياب تعاليم هذا الدين العظيم.

وقد سجّلت لنا السُّنّة المطهّرة أمثلة كثيرة على حسن التّعامل مع الأسير والرِّفق به، أذكر منها مثالًا واحدًا، وهو ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-

(1) البخاري: كتاب الجهاد والسير - باب من رأى العدو فنادى ... (3041) ، ومسلم: كتاب الجهاد والسير - باب غزوة ذي قَرَد وغيرها 3: 1432 حديث 131 (1806) .

(2) (( شرح صحيح مسلم ) )12: 174.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت