بعد أن رأينا تلك المآلات الخطيرة لنظريتهم في المقاصد، وأنهم يريدون إلغاء الشريعة، وجب علينا أن نرد عليهم وأن نبيِّن ما وقعوا فيه من أخطاء؛ وذلك عبر الأوجه الآتية:
1 -أنَّهم ابتعدوا عن النصوص والبحث في معانيها إلى تأويلها تأويلًا مقاصديًّا، بل جعلوا اعتبار المقاصد في تغيير معنى النصوص في كل زمان بحسبه هو الأصل، والمعلوم أنَّ النص لا يقدَّم عليه شيء، وأنَّ كل ما يتعارَضُ مع النص يجب أن يقدَّم النصُّ عليه؛ وذلك لأنَّ الوحي معصوم، وعقولنا غير معصومة.
2 -أنَّ النظر إلى المقاصد عند الأصوليِّين هو مِن أجل الحكم على الحوادث الجديدة، أو الترجيح بين النصوص على ما سبق شرحه في فصل الفوائد، لكنَّ المقاصد عند الحداثيين يَجعلونها بديلًا عن النُّصوص، ويُريدون أن يقوم الدين على أساس هذه المقاصد لا على نصوص الوحي، فالدين عند الأصوليِّين قائم على النُّصوص، ثم استخلصوا مقاصدَه، أما عندَهم فوضَعوا المقاصد أولًا، ثمَّ يُريدون أن يَبنوا عليه الدين، والفرق واضح بين المنهجين.
3 -أخطأ الحداثيُّون من جهتَين؛ أولًا أدخلوا بعض الجزئيات في مقاصد هي ليست لها، ولا تدخل تحتها، فعطَّلوا بها الكثير من النصوص، وخاصةً الحدود، فجعلوها منافيةً للرحمة أو منافية للسلام العالمي، والإسلام دين عالمي يجب أن يقبله الناس، ولا مجال لقبوله بهذه الحدود، والإسلام صالح لكل زمان ومكان، فيلغون كل ما ينافي عقولهم بدعوى أنها لا تتواكب مع العصر الجديد.
ثانيًا: أنشؤوا مقاصد لم تكن موجودة، وليست راجعة إلى النصوص ولا مستخرَجةً منها، بل من عقولهم وأهوائهم، ثمَّ حاكموا بها النصوص، وردُّوا الكثير من الأحكام.
4 -أنَّ الكليات عندهم لها سُلطة على ردِّ الجزئيات وتغييرها، والصحيح أن المقاصد كليات قامت على الجزئيات، فالجزئيات مُعتبَرة في المقاصد الكلية، فـ"إنَّ من أخذ بالجزئي معرضًا عن كليِّه فهو مُخطئ، كذلك من أخذ بالكليِّ مُعرضًا عن جزئيِّه" [2] ، وإذا تعارض حكم جزئي مع مقصد كليٍّ، فلا يردُّ الجزئي، فـ"إذا ثبت بالاستقراء قاعدةٌ كليةٌ ثمَّ أتى النص على جزئيٍّ يخالف"
(1) انظر: مقالتين بعنوان: التداول الحداثي لنظرية المقاصد؛ لسلطان العميري، مجلة البيان عددي 293 و 295.
(2) الموافقات 3/ 8.