القاعدة بوجه من وجوه المخالَفة، فلا بد من الجمع في النظر بينهما" [1] ، فلا يصح أن نفرغ المقاصد من جزئياتها."
5 -أنَّ المقاصد مستخرجة من النصوص بالاستقراء، فلا توضع المقاصد ابتداءً ثم يُحاكم عليها النص، وهذا ما فعله الفكر الحداثي، فدعوا إلى محاكمة النصوص على ضوء المقاصد التي وضَعوها.
6 -أنَّهم جعلوا الضابط في معرفة المقاصد هو العقل، ومن المعلوم أن العقل لا يستقلُّ بإدراك المقاصد، فالشريعة أعطت للعقل قدرًا معلومًا مِن الحرية، كما أنه لا يتعلَّق التكليف إلا به، ولكن لا يستقل العقل في ضبط جوهر المصالح؛ وذلك لأنَّ المقاصد للشريعة عامة، وعقول الناس تختلف؛ فما يراه عقل أحدهم مقصدًا أو مصلحة، يراه الآخر غير ذلك، فلا يمكن أن ينضبط شيء بمجرد الرجوع إلى العقل؛ فمعرفة مصالح العباد التي جاءت الشريعة من أجلها لا يمكن"أن يستقلَّ العقل بدركه على حال" [2] .
7 -مما قالوه: إن الأحكام تتغيَّر بتغيُّر الزمان، وهذا لا يُمكن أن يكون في حادثة واحدة بجميع خصائصها وحيثياتها، فنحن هنا بين نوعين: الأول أن تقع الحادثة كما وقعتْ في زمن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وهذه لا يمكن أن يتغير حكمها إلا بالنسخ، ولا نسخ بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، الثاني أن تقع الحادثة ولكن بحيثيات أخرى، فهي هنا حادثة جديدة تتطلَّب حكمًا جديدًا [3] .
8 -الشريعة ثابتة، ونصوصها للعالمين إلى يوم الدين، وقد تكفَّل الله بحفظ هذا القرآن بمعناه الشمولي؛ {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] ، والإنسان هو المُخاطَب بهذه النُّصوص، فوجَب أنَّ النصَّ لا يتغير بتغيُّر الزمان، وأينما وجدَ المخاطَب وجدت النصوص ومعانيها، فالشريعة لا تتغيَّر بتغيُّر الزمان كما هو الحال عند الحداثيين، وإنما تتغير الفتاوى باختلاف حيثيات الحوادث كما بينَّا ذلك في نقد نظرتهم لاجتهادات عمر.
9 -مقاصد الشريعة يجب أن تكون على ضوء الكتاب والسنَّة، ووفْق اللغة التي أنزل الله بها القرآن، ولا يصح أن نفهم القرآن العربي بغير لسانه ولغته؛ فـ (الشريعة عربية، وإذا كانت عربيةً
(1) الموافقات 3/ 9، وانظر: منهج الجمع بين النصوص والمقاصد وتطبيقاته المعاصرة، محمد حسين الجيزاني.
(2) الاعتصام؛ للشاطبي 2/ 113.
(3) انظر: الثبات والشمول في الشريعة الإسلامية (ص: 398 وما بعدها) .