المبحث الأول
مقاصد الشريعة في الفكر الأصولي
حظي علم المقاصد في الفكر الأصوليِّ باهتِمام شديد؛ حيث قام الأصوليون ببناء أسُس هذا العلم ووضْع لبناته الأولى، ومن أبرز مَن نبَّه على ذلك: أبو المعالي الجُوينيُّ في كتابه"البرهان"، عند كلامه عن القياس، ثم تَبعه الغزالي في كتابيه"المستصفى"و"شفاء الغليل"، فتكلم عن المقاصدِ وأضافَ إليه إضافات، ثمَّ العزُّ بن عبدالسلام بعده في كتابه"قواعد الأحكام، في مصالح الأنام"، كما تكلَّم عن المقاصد أحمد بن إدريس القرافي وابنُ القيم، وهكذا اهتمَّ الأُصوليُّون بعلم المقاصد حتَّى جاء إبراهيم الشاطبيُّ - الذي يعدُّ حامل لواء علم مقاصد الشَّريعة - وألَّف كتابه"الموافقات في أصُول الشريعة" [1] .
علم المقاصدِ الذي يُعنى بالبَحث عن الغايات التي وضعَت الشَّريعة مِن أجلها، أصبح علمًا مُتكاملًا، وهو مِن أبرز ما أنتجه الفكر الأصولي؛ حيث إن المجتهد بحاجة إلى مقاصد الشريعة في تفسير نصوص الكتاب والسنَّة وفي الجَمعِ بين النُّصوص والترجيح بينَها، وازداد اهتِمامُ الفكر الإسلامي بالمقاصد في العصر الحالي؛ نظرًا لحاجتنا الملحَّة إلى هذا العلم في إصدار الأحكام في النوازل، فكان لزامًا أن نتكلَّم في هذا البحث بشكل مُختصَر عن معنى المقاصد وفَوائدها ومكانتها.
وقد قسَّمت المبحث إلى خمسة مطالب:
المطلب الأول: تَعريف مقاصد الشريعة:
المقاصد لغةً جمع مَقصَد، وهو مصدر ميميٌّ مشتق من قصد، والقصد هو إتيان الشيء؛ تقول: قصدته، وقصدت له، وقصدت إليه [2] .
واصطلاحًا: لم أقف على تعريفٍ واضِح للمَقاصد عند المتقدِّمين، وإنما تكلَّموا عنها وعن أنواعها، فالشاطبيُّ مثلًا لم يَحرص على إعطاء حدٍّ وتعريف للمقاصد الشرعية [3] ، بينما حظيت
(1) انظر في مراحل تأليف علم المقاصد كتاب:"نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي"؛ أحمد الريسوني (ص: 39) وما بعدها.
(2) الصحاح؛ إسماعيل الجوهري 2/ 194.
(3) نظرية المقاصد عند الشاطبي؛ أحمد الريسوني (ص: 5) .