جاءت الإشارات في كثير من النصوص إلى اعتبار المقاصد، وقد بيَّنتِ الكثير من النصوص العللَ من الأحكام، قال ابن القيم:"والقرآن وسنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم مملوءان مِن تَعليل الأحكام بالحكم والمصالح وتعليل الخَلقِ بهما"، ثم قال:"ولو كان هذا في القرآن والسنَّة نحو مائة موضع أو مائتين لسُقْناها، ولكنَّه يَزيد عن ألف موضع بطرق متنوِّعة" [2] ، ولا يُفهم من قولنا: إنَّ النصوص اعتبرَت المقاصدَ أن ليس للعَقل دورٌ في ذلك، بل الحقُّ أنَّ"الأدلَّة الشرعيَّة لا تُنافي قضايا العقول" [3] ، فالعقل تابع، والنصُّ مَتبوع، والمقاصد لا تَتنافى مع العقول المستقيمة، والفِطَر السويَّة، بل هي تُؤيِّدها [4] .
فالقُرآن الكريم بيَّن الكثير مِن العِلَل ومقاصد الشَّرع من إرسال الرسُل وإنزال الكتُب، كما بيَّن الحكمة من خَلقِ الخلْق، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] ، فبيَّن الله سبحانه وتَعالى أنَّ المقصد من الخلق هو تحقيق عبودية الله، وقد قال الله سبحانه وتعالى في سورة المؤمنون: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا} [المؤمنون: 115] ، فأشارَتِ الآية إلى أنَّ الخَلق لحِكَم عَظيمة وليس عبثًا، فاقتضتْ أن تَكون الشَّريعة أيضًا ذات حِكَم ومقاصد عظيمة، ومِن الآيات التي بيَّن الله سبحانه وتعالى فيها العِلَل والأحكام والمقاصد قوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ} [البقرة: 185] ، ثمَّ بيَّن في نفس الآية المقصد من تشريع الصيام فقال: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} [البقرة: 185] .
ومن النُّصوص النبويَّة قولُ النبي صلى الله عليه وسلم: (( إنَّما جُعل الاستئذان من أجل البصر ) )؛ رواه البخاري [5] .
(1) انظر المقاصد الشرعية وصلتها بالأدلة الشرعية وبعض المصطلحات الأصولية؛ نور الدين بن مختار الخادمي، وانظر: التسليم للنص الشرعي؛ فهد العجلان (ص: 161) .
(2) مفتاح دار السعادة، ابن القيم 2/ 22.
(3) الموافقات 3/ 27.
(4) انظر: ظاهرة التأويل الحديثة في الفكر العربي المعاصر؛ خالد السيف (ص: 220) .
(5) البخاري في باب الاستئذان 5/ 2304.