المبحث الثاني
مقاصد الشريعة في الفكْر الحَداثي
كثُر الاحتِفاء بالمقاصد في الفكر الحداثي؛ وذلك لأنهم لم يستطيعوا فرض أفكارهم مباشرةً، فغلَّفوها بغلاف شرعي؛ إذ إنهم علموا أن الحرب ضد النصوص لا يقبلها المجتمع المسلم المعظِّم للنصوص، فلم يجدوا بدًّا من البحث في الشريعة عن أي شيء يتمسَّكون به ويُمرِّرون به أهواءَهم، فكانت المقاصد وجهتهم، ففرَّغوا النصوص من معانيها، وأَعطَوها معانيَ جديدة، وفرَّغوا المقاصد أيضًا من معانيها الصحيحة ليَستخدموها حسب أهوائهم، وانطلقوا فيها لا من النظرة الأصوليَّة، بل مما هو مقرَّر عندهم من إلغاء الاعتبار بالنصِّ، وجعل المصلحة هي الحاكمة على النص كما سيأتي بيان ذلك.
وقد نظروا إلى المقاصد كبديل عن أصول الفقه؛ لأنهم يرونه غير صالح لمتطلبات العصر، ولا يصلح في تكوين الدين الجديد بالكيفية التي يريدونها، فانتقدوا أصول الفقه وشنوا عليه هجومًا شرسًا، وأرادُوا المقاصد بديلًا عنه بهدف:"تخفيف حدِّ النظرية الصارمة لأصول الفقه؛ وذلك باستبدالها بمفهوم جديد، وهي مقاصد الشريعة" [1] .
ولأجل هذا الخطر الذي يحيط بالأمة من هذا الفكر الخطير الذي يؤول إلى مآلات خطيرة كما سنرى ذلك؛ وجب أن ننبِّه في هذا المبحث إلى هذا الفكر؛ وذلكَ عبْرَ ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: مكانة المقاصد في الفكر الحداثي:
المقاصد في الفكر الحداثي تُعتبَر بديلًا عن أصول الفقه، وهي التي يقوم عليها الدِّين، فاستخدموا المقاصد على غير بابها، وبيان ذلك في النقاط الآتية:
1 -جعلوا اعتبار المصلحة والمفسدة موكولًا إلى العقل، فالضابط في تقرير المصلحة هو العقل، وإن كان مخالفًا في حكمه للنصِّ؛ يقول فهمي هويدي:"إذا حدث التعارُض بين النصوص وبين أيٍّ مِن مصالح الناس المتغيِّرة، فلا محل لتطبيق الأولى، وتغلَّب المصلحة على النص في الثانية" [2] ، ويقصد بالأولى ما لم تتوفر فيه شروط تطبيق النص، وهذا سيأتي الكلام عنه.
2 -أدت نظريتهم للمقاصد إلى إلغاء الدين كلِّه، وهذا يظهر جليًّا في كلامهم، فهم يرَون أن الحدود لا تُطبَّق إلا إذا توفَّرت نفْس الظُّروف التي عاشها النبي صلى الله عليه وسلم، بل جعلوا
(1) تاريخية الفكر العربي الإسلامي، محمد أركون (ص: 170) .
(2) التدين المنقوص؛ فهمي هويدي (ص: 176) .