الصفحة 9 من 21

المطلب الرابع: مكانة المقاصد في الفكر الأصولي:

المقاصد تتميَّز بربانيتها وشرعيِّتها، فالمقاصد متفرِّعة من الإطار الشرعيِّ الإسلامي، كما أنها تتمتَّع بالشموليَّة، وليست مُقتصرةً على بعض النَّواحي، وتلك الشموليَّة مُستمَدَّة مِن شمولية الإسلام، ولم يختلف أحد مِن المسلمين في أن الشريعة الإسلامية قائمة على حِكَم ومقاصدَ لرعاية مصالح الخَلقِ واللُّطف بهم، وقد بيَّن الشاطبيُّ أنَّ"وضْع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل".

والمصالح التي رعاها الشرعُ هي مصالح عاجلة دُنيوية، وآجلة أُخرويَّة؛ فهي لا تقتصر على الدنيوية فقط كما هو الحال عند الحداثيين، بل"المَقصود من وضع الشريعة إخراج المكلَّف عن دائرة هواه" [1] .

كما أنَّ المقاصد ليست دليلًا مستقلًا عن أدلَّة الشَّرع، والعمل بالمقاصد لا يكون مُستقلًا عن تعاليم الوحْي، مع إيمانِنا بأنَّ العقل له دور في تقرير المقاصد، فهي وإن كانت ربانيةً إلا أنَّ العقول السليمة تتلقَّاها بالقبول والتأييد [2] .

والمقاصِدُ عند الأصوليِّين تُعرَف بالاستقراء لا بالأهواء كما هو الحال عند الحداثيِّين، فهي (كليات مُستخرَجة من استقراءٍ كليٍّ لكافَّة النُّصوص والأحكام الجزئية، ولا يصحُّ أن يُرَدَّ بها أي حكم أو نص جزئي بخِلاف هذه المقاصد التي تُترجِم المقاصدَ التي تُريدها نفوسُهم، وتَميل إليها اختياراتهم، ويَسعون من خلالها لردِّ جملة من النصوص والأحكام غير المرغوب فيها" [3] ، كما أنَّها مُستخلَصة ومُستخرَجة مِن الدِّين، وليست بمنأى عنه، فلا بدَّ للمصلحة أن يشهد الشارع لمعناها،"فإذا لم يشهد الشارع باعتبار ذلك المعنى بل يردُّه، كان مردودًا باتفاق المسلمين" [4] ."

وسيأتي مزيد كلام حولَ هذا في نقْد فكر الحداثيِّين.

(1) الموافقات 4/ 31، انظر: مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها؛ علال الفاسي (ص: 142) ، وانظر: ظاهرة التأويل؛ خالد السيف (ص: 219) وما بعدها.

(2) انظر:"المقاصد الشرعية: طرق إثباتها - حجيتها - مسائلها"؛ نور الدين الخادمي (ص: 27) وما بعدها، وانظر:"المقاصد الشرعية: ضوابطها - تاريخها - حجيتها"؛ نور الدين الخادمي (ص: 22) وما بعدها.

(3) معركة النص؛ لفهد بن صالح العجلان (ص: 25) .

(4) الاعتصام؛ للشاطبي 2/ 113

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت