بتحقيق المناط، وهي المسائل التي اتفقوا على تعليق الحكم فيها على علة أو وصف أو عرف أو عادة، فيَبحثون عن تلك العلة والوصف، ويَحكمون بموجب ذلك البحث، فإذا جاءت المسألة بحيثيةٍ معيَّنةٍ، ثم جاءت أخرى بحيثية أخرى كانت المسألة الثانية مغايرةً للأولى في الحكم، وأصبحت حادثةً جديدة تتطلب حكمًا جديدًا، ولا ينزل عليها الحكم السابق، وتحقيق المناط هو عين ما فعَله عمر رضي الله عنه، فهو لم يعطِّل الحدود، بل اشترط لتحقيق النصِّ الشرعي أن تتوفَّر شروطه وتَنتفي موانعه، وهذا هو العمل بالنصِّ، وبيان ذلك:
أولًا: حدُّ السَّرِقة: أولًا يجب علينا أن نعرف الحادثة كما وقعت [1] ، فعُمر رضي الله عنه لم يعطِّل حد السرقة؛ لأنَّ الحد لم يثبت أصلًا، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( ادرؤوا الحدودَ بالشُّبهات ) )، وهنا لم تثبتْ شروطُ اعتبار السرقة وهناك شبهة، كما أنَّ عمر رضي الله عنه أراد تنفيذ الحكم ثمَّ تراجع عنه، ولو أراد أن يلغي الحد لما حصل هذا الاختلاف في موقفه، وقد أوقف الحدَّ؛ لأنه علم أن الغلمان فعَلوا ذلك لأجل أن يسدُّوا رمقهم وينقذوا أنفسهم من الموت، وكان العام عام مجاعة؛ ولذلك قال:"لولا أني أظن أنكم تُجيعونهم حتَّى إن أحدهم أتى ما حرم الله عز وجل، لقطعتُ أيديَهم" [2] .
ثانيًا: سهم المؤلَّفة قلوبُهم: المؤلفة قلوبهم كانوا يُعطَون إما لاتِّقاء شرِّهم، أو لرجاء إسلامهم كما بينَّا، وقد رأى عمر رضي الله عنه أنَّ ذلك حينما كان الإسلام ضعيفًا، ولكن حينما قويَ الإسلام لم يحتجْ إلى الاتقاء من شرهم بإعطائهم، فالذي حصل ليس هو إلغاء العمل بالنصِّ، بل هو عدم وجود هذه الفئة المستحقَّة، واللهُ لم يوجب علينا أن نُعطي الزكاة لكل الأصناف الثمانية ولو لم يوجدوا، فلو افترضْنا عدم وجود ابن السبيل لم يُعتبَر ذلك إلغاءً للنصِّ، بل لم نعطهم لعدم وجودهم، وهذا بالضبط ما فعله عمر رضي الله عنه؛ لذلك علَّل عمر بقوله:"إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتألَّفُكما والإسلام يومئذٍ ذليل، وإنَّ الله قد أعزَّ الإسلام، فاذهَبا فاجهَدا جهدكما" [3] .
(1) انظر: السنن الكبرى للبيهقي، باب ما جاء في تضعيف الغرامة 8/ 278.
(2) المرجع السابق.
(3) سبق تخريجه.