وقوله - جل من قائل - {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [1] .
فهذه الآيات كلها لها نفس المعنى من النهي عن اتخاذ هؤلاء الكافرين أصدقاء وحلفاء مقربين، فكيف يجوز اختيار أحدهم ليكون وليًا لأمر المسلمين؟ وكيف يسمح المسلمون بتسليط كافر عليهم؟!!، والله - تعالى - هو القائل: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [2] . والحُكْم هو أقوى سبيل للحاكم على المحكوم، والتعبير بـ (لن) المفيدة للتأبيد قرينة للنهي الجازم عن أن يتولى الكافر أي حكم مطلقًا على المسلمين، ومادام الله تعالى قد حرَّم أن يكون للكافرين على المؤمنين سبيل، فإنه يحرُم على المسلمين أن يجعلوا الكافر حاكمًا عليهم، خاصة وهو - الكافر - لا تتوفر فيه الصفة التالية، وهي:
"وهي عند الفقهاء عبارة عن التحلي بالفرائض والفضائل، والتخلي عن المعاصي والرذائل، وعما يخل بالمروءة أيضًا" [3] .
إنها هَيْئَةٌ رَاسِخَةٌ فِي النَّفْسِ، تَحُثُّ عَلَى مُلَازَمَةِ التَّقْوَى، وَالتَّحَاشِي عَنْ الرَّذَائِلِ الْمُبَاحَة.
"فلا تنعقد إمامة الفاسق وهو المتابِع لشهوته المؤثر لهواه من ارتكاب المحظورات والإقدام على المنكرات لأن المراد من الإمام مراعاة النظر للمسلمين والفاسق لم ينظر في أمر دينه فكيف ينظر في مصلحة غيره" [4] . وقد نهى الله - تعالى - عبده داود - عليه السلام - عن اتباع الهوى والميل عن
(1) - سورة المائدة، آية: 51.
(2) - سورة النساء، من الآية: 141.
(3) - رضا، محمد رشيد. الخلافة. ص / 24. الزهراء للإعلام العربي. مصر. القاهرة. بدون رقم طبعة، وسنة النشر.
(4) - القلقشندي، أحمد بن عبد الله. مآثر الإنافة في معالم الخلافة. 1/ 19. ط 2. مطبعة حكومة الكويت. الكويت. 1985 م.