ويعني هذا اتخاذ القرار بالفعل، أو الترك، بعد إعمال العقل والتفكير، وتحتاج سياسة الأمم إلى قدر كبير من الحزم والحسم، ولا تحتمل مقدرات الشعوب التردد، في اتخاذ القرارات الحاسمة، حتى صار التردد في اتخاذ القرار من أمارات فشل سياسة الدولة. ومن أمثلة الحزم في القرآن موقف سليمان - عليه السلام - من الهدهد المتغيب بدون إذن. قال الله - تعالى - {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (20) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} [1] . فرغم نشاط الهدهد الكبير في خدمة سليمان - عليه السلام - إلا أن الحزم الذي يؤاخذ به هو الحزم اللائق بمثل موقعه ومسئولياته، فلابد لغيابه من حجة ظاهرة، وإلا فالعقاب حاضر ناجز.
وموقف آخر لسليمان - عليه السلام - حين أتوا إليه بالأموال، والهدايا من مملكتهم الغنية، يردهم - عليه السلام - بحزم وحسم ويقول لهم بوضوح {ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ} [2] .
وأحوج ما يكون الحاكم إلى الحزم والحسم عند تطبيق القانون، وتنفيذ أحكام الشريعة ولذلك نجد أمره سبحانه وتوجيهه للمسلمين - عند إقامة الحدود ومنها حد الزنا - بعدم التهاون، أو الشفقة الكاذبة على مستحقي الحدود؛ فيقول سبحانه {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2) } [3] .
وحين يعلم الناس بحزم حكامهم ولاة أمرهم وحسمهم؛ يأمن الناس، وتستقر معايشهم، وينقمع مجرمهم، ويرتدع باغيهم، وهذا ما توخته أحكام القرآن حين حين أمرت بإقامة حدود الله كما في قوله تعالى إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ
(1) - سورة النمل. آية: 20 - 21.
(2) - سورة النمل. آية: 36 - 37.
(3) - سورة النور. آية: 2.