من أجل ذلك ينبغي أن يكون العبد - أي عبد - متواضعًا، مُعْرِضًا عن الكبر والمستكبرين، ويظهر هذا الخلق العظيم فيما قصَّه القرآن علينا في قصة سليمان عليه السلام حيث يقول {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ} [1] .
نعم إنه التواضع لله تعالى العزيز وحده، بينما جمع الله له كل هذا الملك، إذا بسليمان في الدرجة القصوى من التواضع، ينكر أي فضل له، وينسب الفضل كله، والمِنَّة أجمعها لله رب العالمين.
هذا التواضع هو الحامل على قبول كلام الهدهد المتفاخر بأنه يعرف ما لا يعرفه سليمان {فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} [2] . فلم يعنفه، ولم يعاقبه، بل قال له بكل تواضع {سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [3] .
وبهذا التواضع أُمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يحيا بين الناس فقال - تعالى - {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} [4] . وقال - سبحانه - {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [5] . وخفض الجناح"المراد به: التواضع، واللين، مأخوذ من خفض الطائر جناحه على فرخه، إذا غطاه وضمه إليه" [6] .
فكان - عليه الصلاة والسلام - قدوة الناس، وأسوتهم، ومضرب المثل في التواضع، وإن أولى من يجب عليه الاتصاف بهذه الصفات الجليلة هم الحكام وولاة الأمور، فهم أيضًا محط أنظار الناس، ومحل الاقتداء من الآخرين. وهم أحوج الناس للزوم التواضع؛ كي لا يصابوا بأمراض الكبر، والعُجْب، وحتى لا ينعزلوا عن رعيتهم، وينصرفوا عن مشاكلهم.
(1) - سورة النمل. آية: 16.
(2) - سورة النمل. آية: 22.
(3) - سورة النمل. آية: 27.
(4) - سورة الحجر. آية: 88.
(5) - سورة الشعراء. آية: 215.
(6) - التفسير المنير. 7/ 376.