لقد أنذر الله - تعالى - جميع البشر من النار، وأن المعذبين فيها قسمهم القرآن الكريم على صنوف عديدة سنذكرها في مطلبنا هذا وهم كالتالي:
يقول الله - تعالى - مخبرًا عن مصير الكفرة ومنذرًا الآخرين: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ} [المائدة: 36 - 37] .
وهذا بيان واضح من الله - تعالى - يبين فيه للناس مصير الكفرة وحالهم وعاقبة من لم يعمل في حياته لاتقاء هذه العقوبة إلا وهي نار جهنم وحَرّها وعذابها ولهيبها وليس فقط لم يعمل وإنما غرّته الحياة الدنيا فانغمر وأنغر بها وبأموالها وزخرفها وزينتها والعياذ بالله، وفي هذه الآية تمثيل للزوم العذاب لهم فإنه لاسبيلَ لهم إلى الخلاص منه، فإذا رفعهم لهب النار إلى فوق يتمنون الخروج وقيل يكادون يخرجون من النار لقوة النار ودفعها للمعذبين، ثم بعد ذلك الإقامة الدائمة لهم فيها لا خروج بعدها ولا محيد لهم عنها [1] .
وهكذا القرآن يعلن: {وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ} [الأحقاف: 20] .
فحينها يقال لهم هذا، تقريعًا وتوبيخًا، ولهذا كان الخليفة عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - يتورع عن كثير من طيبات المأكل والمشرب ويتنزه عنها ويقول إني أخاف أن أكون كالذين قال الله لهم وبخهم وقرعهم {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا} فهؤلاء عرفوا لِمَن أنزلت هذه الآيات ولماذا، وأيقنوا كما يوقنون بوجود أنفسهم إن الله لا يخلف وعده، فهناك صرَّح القرآن {فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ} فجُوزوا من جنس عملهم، فكما متَّعوا أنفسهم واستكبروا عن إتباع الحق وتعاطوا الفسق والمعاصي جازاهم الله تبارك وتعالى بعذاب الهون وهو الإهانة والخزي والآلام الموجعة
(1) ينظر التفاسير، تفسير الرازي وابن كثير في تفسيرهم لهذه الآية من سورة المائدة.