المبحث الثاني
حقيقة الإنذار والحكمة منه
المطلب الأول: حقيقة الإنذار بنوعيه الخاص والعام.
الإنذار مصدر، تقول أنذره أي خوَّفه وحذره وفي التنزيل العزيز: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ}
ويقال أنْذَرتَهُ إنْذارًا، والنُذُرُ جمع نذير {فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ} [الملك: 17] وهو المُنْذِر [1] .
وحقيقته في القرآن أن الله جلَّ جلاله استعمله ضمن سلسلة آيات تخويفية ترهيبية مقابلة لآيات ترغيبية كثيرة حثت على طاعته والانقياد لأمره.
فأتى على شكل إخبار فيه تخويف [2] : {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} [فصلت: 13] وقوله - تعالى: {فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى} [الليل: 14] .
ويمكن أن يكون الإنذار تحذيرًا من فعل محرم ما أو اجتناب واجب ما.
وقد أعلن الله - عز وجل - أن إرسال النبي - صلى الله عليه وسلم - هو لإنذار الناس جميعًا وأن عمله هو إنذارهم {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ} [الرعد: 7] ثم يأمره الله - عز وجل - بأن يعلن هذا ويذكره أمام القاصي والداني فقال - تعالى - مخاطبًا نبيه - صلى الله عليه وسلم: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ} [ص: 65] .
والإنذار هو جانب مهم من جوانب الدعوة استدعى أن يكون الرسول - صلى الله عليه وسلم - مرسلًا من أجله.
لكن لا بد أن يكون الإنذار في تخويف كما أسلفنا يتسع زمانه للاحتراز فإن لم يتسع زمانه للاحتراز كان الإنذار إشعارًا فقد خاصيته وهي الإنذار [3] .
ثم إن المنذر هو الذي تولد عنده الخوف على الآخر فأنذره كما أنه لا يأخذ على إنذاره الآخر شيئًا كما قال تعالى: {فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ}
(1) لسان العرب، (5/ 200) ، مادة نذر.
(2) المفردات في غريب القرآن (1/ 487) ، مادة نذر.
(3) تفسير الجامع لأحكام القرآن، بتصرف بسيط (1/ 184) .