المبحث الرابع
طرق الإنذار الإلهي وتنوعها في القرآن الكريم
المطلب الأول: الإنذار بالخزي الدنيوي:
أنذر الله - تعالى - كثيرًا وتوعّد بالخزي الدنيوي وهذا التوعد هو إنذار شديد من الله - عز وجل -، ومن ذلك ما ذكره تعالى في سورة المائدة الآية (33) : {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} .
وهؤلاء هم الذين حاربوا الله ورسوله وحاربوا أولياءه (المسلمون المتقون) ، فجعل الله محاربتهم تعظيمًا، وأصل الحرب السلب والمراد به هنا قطع الطريق باللصوصية وإفسادهم في الأرض فسادًا.
فجعل الله - تعالى - عقوبتهم وعقوبة أمثالهم أن يُقتَّلوا أي قصاصًا من غير صلب إن أفردوا القتل، أو يصلبوا أي مع القتل إن قَتَلوا وأخذوا المال، وللفقهاء خلاف في أنه يقتل ويصلب أو يصلب حيًا ويترك، أو يطعن حتى يموت أو تقطع أيديهم اليمنى وأرجلهم اليسرى إن أخذوا المال ولم يُقْتَلوا، أو ينفوا من بلد إلى بلد بحيث لا يتمكنون من القرار في موضع إن اقتصروا على الإخافة، وقيل: للإمام أن يتخير بهذه العقوبات [1] .
فهذه الآية أعظم إنذار لمستحقي هذه العقوبة ولمرتكبي هذه الجرائم البشعة، والساعين في إفساد الأرض أيًا كانوا هم المفسدين وأيًا كان نوع الفساد.
وهو أعظم إنذار بالخزي في الدنيا والذل والفضيحة، فهل بعد هذا الإنذار اعتبار للمفسدين أو أمثالهم من المجرمين؟.
ثم إن الله - تعالى - قال في آية أخرى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [البقرة: 114] .
(1) تفسير البيضاوي المسمى معالم التنزيل، (2/ 320) والأمر بتفصيله في كتب الفقه.