الصفحة 25 من 39

وهذه الآية وعيد وتهديد، فأما الوعيد فهو توعد الله جل شأنه لهؤلاء الذين خربوا بيوت الله وأماكن عبادة المسلمين وهم قريش كما قال الإمام ابن عباس [1] : (( إن قريشًا منعوا النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاة عند الكعبة الحرام، فأنزل الله هذه الآية ) ).

وقيل هم النصارى الذين كانوا يطرحون في بيت المقدس الأذى ويمنعون الناس أن يصلوا فيه، وهذا القول مروي عن الإمام مجاهد [2] . [3]

فالمهم هو أن الله - تعالى - توعّد هؤلاء الذين فعلوا ما فعلوا بالمساجد بهذه العقوبة، فهو إنذار (لمن فكّر أو يفكّر بأن يحارب بيوت الله عز وجل مقر عبادة المؤمنين المتقين) أن الخزي والعار والندم سيكون في الدنيا قبل أن يكون في أي وقت آخر، وهذا ما رأيته واقعًا كيف أن الله - تعالى - أخزى وأذل بقوته هؤلاء الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم عندما أحرقوا وهدّموا (102) مسجدًا من مساجد بغداد عاصمة الرشيد في عام (2006) م (1427) هـ من الشهر (2 شباط) وأفسدوا في الأرض بقتلهم لـ (358) أو ما يقارب هذا العدد من أئمة وخطباء ودعاة ومؤذنين في العاصمة فقط علاوة على قتل (40.000) من الذين ينتمون لأهل السنة والجماعة في العراق، رأيت بعدها ورأى الجميع كيف بدأوا يتحاربون بينهم ويقتل بعضهم بعضًا طمعًا في الدنيا وزينتها فأخزاهم الله - تعالى - وأذلهم، بل أصبح الطرف منهم يحتمي بالعدو المحتل لبلده من أجل أن يقضي على الطرف الآخر الذي هو من قومه وجلدته، بل قرأنا وسمعنا القصص عن عذاب الله لهم ما لا تخطر على بال احد في شدة قساوة العاقبة الأليمة، فهل بعد هذا الخزي من خزي وهل بعد هذا العار من ذلة، وكل هذا لأن هؤلاء وأمثالهم لم يعتبروا بمن سبق ولم يقرأوا كتاب الله قراءة إنذار في ما نذر واعتبار فيما قص علينا وحذَّر.

وأما الآيات التي أنذرت بالخزي والعار الدنيوي كثيرة.

فللظالم كذلك خزي في الدنيا أليم حيث قال - تعالى - وهو يتكلم عن الظالمين في سورة الزمر: {فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [آية: 26] .

(1) سبقت ترجمته (ص 15) .

(2) الإمام مجاهد بن جبر المكي مولى السائب المخزومي روى عن ابن عباس فأكثر وعن ابن عمر وعائشة وأبي هريرة قال عنه قتادة: أعلم من بقي بالتفسير في المدينة، توفي سنة (102 هـ) ، ينظر سير أعلام النبلاء، (4/ 449) .

(3) ينظر الدر المنثور، (1/ 264) للإمام السيوطي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت