الصفحة 29 من 39

المطلب الثالث: الإنذار بوقفة القيامة:

وقد أنذر القرآن الكريم من وقفة يوم القيامة عندما يعرض الناس للحساب، حيث لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، تلك الوقفة التي ترى فيها الناس حفاةً عراةً غُرْلًا ينتظرون جزائهم العدل من الله ومصيرهم أإلى جنة النعيم حيث الحياة الخالدة؟ أم إلى جهنم حيث النار المحرقة والعذاب المستمر، يقول الله - تعالى - في سورة مريم: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [الآية: 39] .

ويوم الحسرة بلا شبهة هو يوم القيامة، وهو اسم من أسمائها، حيث وصف الله في هذه الآية أنه في هذا اليوم يكثر التحسر من أهل النار، وقيل يُتَحَسر أيضًا في الجنة إذا لم يكُن من السابقين الواصلين إلى الدرجات العالية.

والحسرة: هو الغم والضيق، فأنذر الله - تعالى - في هذا اليوم لكي يسعى الخلق لئلا يكونوا من هؤلاء المتحسرين فيه [1] .

فهناك يومٌ يَتحسر الناس فيه تحسرًا شديدًا المسيء على إساءته والمحسن على قلة إحسانه ويُقضى الأمر ويتصادر الفريقان إلى الجنة والنار [2] .

ثم قال عز وجل في سورة الحج: {يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ} [الحج: 2] .

وهو وصف ليوم القيامة، ذلك الأمر العظيم الذي سيشاهده الناس بأمِّ أعينهم، وهذه المشاهدة ستوجب الخوف الشديد .... كيف لا وقد ذكر الله - تعالى - من أهوال ذلك اليوم أمورًا ثلاثة في هذه الآية وحدها، وهي تذهل كل مرضعة عما أرضعت أي تذهلها زلزلة الساعة، زلزلة القيامة، والذهول: هو الذهاب عن الأمر مع دهشة، ويحصل هذا الذهول وذهابها عن إرضاع ولدها حال الإرضاع وهي ملقمة ولدها ثديها، فتنتزعه من فيه لما يلحقها من الدهشة، الله اكبر.

(1) ينظر التفسير الكبير، (21/ 187) ، بتصرف بسيط.

(2) تفسير البيضاوي بتصرف بسيط (4/ 17) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت