الصفحة 30 من 39

والأمر الآخر هو أن تضع كل ذات حملٍ حملها، والمعنى أنها تسقط ولدها لتمام أو لغير تمام من هول ذلك اليوم، وقيل تذهل المرضعة عن ولدها بغير فطام، وألقت الحوامل ما في بطونها لغير تمام، فسبحان الله من تصويره العجيب المخيف لهول هذا اليوم، أما الأمر الثالث الذي سيحصل في هذا اليوم وقد ذكر في هذه الآية هو أن ترى الناس سكارى وما هم بسكارى أي سيكون الناس سكارى على التشبيه وما هم بسكارى على التحقيق، ولكن ما أرَقَهُم من هول عذاب الله تعالى هو الذي أذهب عقولهم وطير تمييزهم، وقال ابن عباس [1] : (ونراهم سكارى من الخوف) [2] .

وهكذا نرى الله سبحانه وتعالى إنما يصوّر هذا التصوير العجيب لهذا اليوم الرهيب ما هو إلا لينذر الناس من أن يكونوا ممن سيأتي في هذا اليوم وهو مفلس من الأعمال الصالحات والأفعال المنجيات بترك الطاعات لرب الأرض والسموات، وأنذرهم ليختاروا أن يكونوا من الآمنين من هول هذا اليوم وفزعه وهم المؤمنون المتقون الذين اتبعوا رسول ربهم وأوامر خالقهم وساروا على طريقه المستقيم، اللهم اكتبنا منهم يا أرحم الراحمين.

ثم يقول الله - تعالى - في آية أخرى: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النور: 24] ، فهذه المرّة سيكون الأمر مختلفًا في وقفة القيامة فسيكون هناك من يشهد علينا وعلى عملنا في دنيانا، والشاهد سيكون هذا العضو الذي تمتلكه فلم يفارقك في حياتك وهاهو اليوم يشهد عليك أمام خالقك.

فعن أبي سعيد ألخدري [3] - رضى الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا كان يوم القيامة عرِّف الكافر بعمله فجحد وخاصم فيقال هؤلاء جيرانك يشهدون عليك فيقول كذبوا فيقال أهلك وعشيرتك فيقول كذبوا فيقال احلفوا فيحلفون ثم يصمتهم الله وتشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم ثم يدخلهم النار» [4] .

(1) سبقت ترجمته (ص 15) .

(2) تفسير الرازي، (23/ 6) .

(3) أبو سعيد ألخدري، سعد بن مالك بن سنان ألخدري الأنصاري الخزرجي، اشتهر بكنيته، استُصغر بأُحد وشهد ما بعدها من الغزوات، من أكثر الصحابة رواية للحديث، قال الخطيب: (كان من أفضل الصحابة ومات سنة 74، ينظر(الأعلام) للزركلي (3/ 87) .

(4) رواه الحاكم في مستدركه على الصحيحين، (4/ 648) برقم (8790) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت