الصفحة 19 من 39

المطلب الثالث: أصحاب الأيكة(قوم شعيب).

أما أصحاب الأيكة فكذلك ظلموا وطغوا بشركهم بالله وقطعهم الطريق ونقصهم المكيال والميزان، فأُرسل إليهم شعيبا - عليه السلام - منذرًا، قال ابن عباس [1] - رضى الله عنه: لما أنذر شعيب قومه قال في نذارته إياهم: {وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ} .

وهذا إنذار لهم أنهم إن لم ينتهوا عما يفعلون من المعاصي والموبقات سيؤول مصيرهم إلى مصير قوم لوط بالدمار والعذاب، لكنهم لم ينتهوا واستهزئوا بهذا الإنذار النبوي من (خطيب الأنبياء) [2] - عليه السلام -، بل تجاوزوا على نبيهم وقالوا له: {قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} [هود: 91] . فهددهم بعد رفضهم الإنذار وتهديدهم لمن أراد لهم النجاة وقال لهم: {سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ} [هود: 93] .

وهذا هو مصير من لم يتعظ بالإنذار الإلهي والتربية الربانية والتوجيه النبوي فماذا كان بعد ذلك؟.

قال تعالى في القرآن الكريم يصف لنا ما حصل لهم بعد عداوتهم المنذرين وتجاهلهم إنذار المرسلين: {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ * كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ} [هود: 94 - 95] .

فهذا هو حالهم وحال الأقوام الذين أعرضوا عن إنذار الله - تعالى -،لهم الخزي في الدنيا وفي الآخرة سوء القرار.

(1) الصحابي الجليل عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي ابن عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولد قبل الهجرة بثلاث سنين وهو أحد العبادلة المكثرين للحديث، كف بصره آخر حياته ودعا له النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل، توفي سنة (68 هـ) ، ينظر سير أعلام النبلاء (3/ 33) .

(2) قال الرازي في تفسيره: (وعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان إذا ذكر شعيب - عليه السلام - قال: «ذاك خطيب الأنبياء» ، ينظر تفسير الرازي،(18/ 38) ، والخبر صحيح أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين (2/ 620) برقم (4071) ، عن الإمام محمد بن إسحاق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت