الصفحة 33 من 39

والحسرات المتتابعة والمنازل في الدركات المفزعة أجارنا الله سبحانه من ذلك كله [1] .

ويخبر المولى تبارك وعلا عن مصير من يأكل الربا الذي حرمه الله في شرعه وتنزيله: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 275] .

والربا المنهي عنه كما هو معروف طلب الزيادة على المال والتفصيل فيه موجود في كتب الفقه، فأنذر الله - تعالى - بعد تحريمه - آكليه بالنار وأنهم خالدين فيها، بل وصفهم بأنهم سيقومون يوم القيامة من قبورهم متخبطين، والتخبط هو الضرب على غير استواء ويقال للرجل الذي يتصرف في أمر ولا يهتدي فيه أنه يتخبط تخبطا عشواء، وتخبطه الشيطان إذا مسه بخبل أو جنون لأنه كالضرب على غير الاستواء في الإدهاش، وقيل يُبعث آكل الربا يوم القيامة مجنونًا، وذلك كالعلامة المخصوصة فعرفه جميع أهل الموقف، وقيل إن الناس إذا بعثوا من قبورهم خرجوا مسرعين إلا أكلة الربا والعياذ بالله فإنهم يقومون ويسقطون، وذلك لأنهم أكلوا الربا في الدنيا فأرباه الله في بطونهم يوم القيامة حتى أثقلهم فهم ينهضون ويسقطون ويريدون الإسراع ولا يقدرون، وكذلك فإن آكل الربا لا شك أنه يكون مفرطًا في حب الدنيا متهالكًا فيها كما نرى في أهل القروض والسلف الربوية في أيامنا هذه، فإذا مات على ذلك الحب صار ذلك الحب حجابًا بينه وبين الله تعالى، فالخبط الذي كان حاصلًا في الدنيا بسبب حب المال أورثه الخبط في الآخرة وأوقعه في ذل الحجاب، وهذا تأويل قريب فيه بلاغ وإنذار لكل مجيب [2] .

وللمرتدين نصيب كبير من عذاب الله يوم القيامة ففي سورة محمد - صلى الله عليه وسلم - يقول الله سبحانه منذرًا ومخبرًا من يتلوا القرآن من أمة خير الأنام: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ * فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} [محمد: 25 - 27] .

(1) تفسير ابن كثير، (4/ 161) ، سورة الأحقاف، وقارن التفاسير كالرازي والبيضاوي وغيرها بتصرف بسيط.

(2) بتصرف تفسير الرازي (7/ 78) وقارن التفاسير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت