جمع في عهد عمر بن الخطاب [132] ، وربما وقع قسم من هذا الشعر في وقت تال في يد حماد الراوية بعد سرقته [133] . أما صحة الخبر القائل بأن النعمان بن المنذر قد أمر بتدوين الشعر العربى ودفنه في قصره الأبيض، وأن المختار الثقفى (المتوفى 67 هـ/ 687 م) احتفره فأخرج تلك الأشعار [134] ، فهى موضع خلاف [135] ، ورواية الخبر المجردة عند ابن سلام تقول: «وقد كان/ عند النعمان بن المنذر منه (أى من شعر العرب في الجاهلية) ديوان فيه أشعار الفحول وما مدح هو وأهل بيته به، فصار ذلك إلى بنى مروان، أو صار منه» [136] .
وإذا نظرنا إلى التطور في سياق أوسع، يتصل بتقييد الحوادث التاريخية والأنساب (انظر في هذا الفصل ما يتعلق بالمصادر) ، وبتسجيل حكم الجاهليين [137] ، وبرغبة الصحابة في تدوين حديث الرسول وأفعاله [138] ، فإننا نستطيع أن نستنتج من هذه الأخبار كلها، أن تدوين الشعر كان مألوفا في العصر الجاهلى إلى حدّ ما، وأن قدرا كبيرا من هذه المدونات قد وصل إلى العصر الإسلامى، وأن ظهور الإسلام لم يقلل من الاهتمام بالشعر وروايته، وأن الكتابة لم تلبث أن زاد انتشارها بعد ظهور الإسلام [139] .
ويمكن التعرف على ثلاث مراحل لتطور تدوين الشعر العربى القديم في العصر الإسلامى:
(132) انظر: الأغانى 4/ 140 - 141.
(133) انظر: الأغانى 6/ 87.
(134) انظر: الخصائص، لابن جنى 1/ 392 - 393، ولسان العرب مادة (ط ن ج) ، والمزهر للسيوطى 1/ 249.
(135) انظر أيضا: ما كتبه بلاشير Blachere.Histoire 96 - 97: وما كتبه العش، في المرجع السابق ص 9، والأسد ص 161.
(136) انظر: طبقات فحول الشعراء، لابن سلام 23، وما كتبه كرنكو 266.
(137) انظر: ما كتبه جولدتسيهر، في كتابه في الدراسات الإسلامية 2/ 205.
(138) انظر: المرجع السابق 2/ 9. وانظر كذلك: تاريخ التراث العربى I ,53 وما بعدها.
(139) إن الرأى الذى ذكره بلاشير، في كتابه في تاريخ الأدب العربى R.Blachere.Histoire 97 أن تدوين القرآن نفسه لم يكن ممكنا- فيما يقال- إلا بعد وفاة النبى صلّى الله عليه وسلم، وبالتالى لم يدون الشعر الجاهلى الوثنى إلا بعد ذلك، هو رأى لا يقوم على أساس سليم.