رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ) (الرعد آيه 2) وقوله تعالى: (تَنزيلا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلا(4) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (5) (طه) .
وَقَوْلُهُ: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) فِي سَبْعَةِ مَوَاضِعَ: فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ؛ قَوْلُهُ: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) ، وَقَالَ فِي سُورَةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) ، وَقَالَ فِي سُورَةِ الرَّعْدِ: (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) ، وَقَالَ فِي سُورَةِ طه: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) ، وَقَالَ فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ) ، وَقَالَ فِي سُورَةِ الم السَّجْدَةِ: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) ، وَقَالَ فِي سُورَةِ الْحَدِيدِ: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) .
وَقَوْلُهُ: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) .. إلخ؛ هَذِهِ هِيَ الْمَوَاضِعُ السَّبْعَةُ الَّتِي أَخْبَرَ فِيهَا سُبْحَانَهُ بِاسْتِوَائِهِ عَلَى الْعَرْشِ، وَكُلُّهَا قَطْعِيَّةُ الثُّبُوتِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، فَلَا يَمْلِكُ الْجَهْمِيُّ الْمُعَطِّلُ لَهَا رَدًّا وَلَا إِنْكَارًا، كَمَا أَنَّهَا صَرِيحَةٌ فِي بَابِهَا، لَا تَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا، فَإِنَّ لَفْظَ: (اسْتَوَى) فِي اللُّغَةِ إِذَا عُدِّيَ بِـ (عَلَى) لَا يُمْكِنُ أَنْ يُفْهَمَ مِنْهُ إِلَّا الْعُلُوُّ وَالِارْتِفَاعُ، وَلِهَذَا لَمْ تَخْرُجْ تَفْسِيرَاتُ السَّلَفِ لِهَذَا اللَّفْظِ عَنْ أَرْبَعِ عِبَارَاتٍ؛ ذَكَرَهَا الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي (النُّونِيَّةِ) ؛ حَيْثُ قَالَ:
فَلَهُمْ عِبَارَاتٌ عَلَيْهَا أَرْبَعٌ قَدْ حُصِّلَتْ لِلْفَارِسِ الطَّعَّانِ
وَهِيَ اسْتَقَرَّ وَقَدْ عَلَا وَكَذَلِكَ ارْتَفَعَ الَّذِي مَا فِيهِ مِنْ نُكْرَانِ
وَكَذَاكَ قَدْ صَعِدَ الَّذِي هُوَ رَابِعٌ وَأَبُو عُبَيْدَةَ صَاحِبُ الشَّيْبَانِيِّ
يَخْتَارُ هَذَا الْقَوْلَ فِي تَفْسِيرِهِ أَدْرَى مِنَ الْجَهْمِيِّ بِالْقُرْآنِ
فَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ يُؤْمِنُونَ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ سُبْحَانَهُ عَنْ نَفْسِهِ مِنْ أَنَّهُ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ، بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ بِالْكَيْفِيَّةِ الَّتِي يَعْلَمُهَا هُوَ جَلَّ شَأْنُهُ؛ كَمَا قَالَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ: (الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ، وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ) .
وَأَمَّا مَا يَشْغَبُ بِهِ أَهْلُ التَّعْطِيلِ مِنْ إِيرَادِ اللَّوَازِمِ الْفَاسِدَةِ عَلَى تَقْرِيرِ الِاسْتِوَاءِ؛ فَهِيَ لَا تَلْزَمُنَا؛ لِأَنَّنَا لَا نَقُولُ بِأَنَّ فَوْقِيَّتَهُ عَلَى الْعَرْشِ كَفَوْقِيَّةِ الْمَخْلُوقِ عَلَى الْمَخْلُوقِ.