وُجُودٌ مُطْلَقٌ إمَّا بِشَرْطِ الْإِطْلَاقِ كَمَا يَقُولُهُ ابْنُ سِينَا وَأَتْبَاعُهُ مَعَ أَنَّهُمْ قَدْ قَرَّرُوا فِي الْمَنْطِقِ مَا هُوَ مَعْلُومٌ لِكُلِّ الْعُقَلَاءِ: أَنَّ الْمُطْلَقَ بِشَرْطِ الْإِطْلَاقِ لَا يَكُونُ مَوْجُودًا فِي الْأَعْيَانِ؛ بَلْ فِي الْأَذْهَانِ وَكَانَ حَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ: إنَّ الْمَوْجُودَ الْوَاجِبَ لَيْسَ مَوْجُودًا فِي الْخَارِجِ مَعَ أَنَّهُمْ مُقِرُّونَ بِمَا لَمْ يَتَنَازَعْ فِيهِ الْعُقَلَاءُ مِنْ أَنَّ الْوُجُودَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ مَوْجُودٍ وَاجِبِ الْوُجُودِ بِنَفْسِهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هُوَ مُطْلَقٌ لَا بِشَرْطِ كَمَا يَقُولُهُ القونوي وَأَمْثَالُهُ فَهَؤُلَاءِ يَجْعَلُونَهُ الْوُجُودَ الَّذِي يَصْدُقُ عَلَى الْوَاجِبِ وَالْمُمْكِنِ وَالْوَاحِدِ وَالْكَثِيرِ وَالذِّهْنِيِّ وَالْخَارِجِيِّ وَالْقَدِيمِ وَالْمُحْدَثِ؛ فَيَكُونُ: إمَّا صِفَةٌ لِلْمَخْلُوقَاتِ وَإِمَّا جُزْءًا مِنْهَا وَإِمَّا عَيْنُهَا. وَأُولَئِكَ يَجْعَلُونَهُ الْوُجُودَ الْمُجَرَّدَ الَّذِي لَا يَتَقَيَّدُ بِقَيْدِ؛ فَلَزِمَهُمْ أَنْ لَا يَكُونَ وَاجِبًا وَلَا مُمْكِنًا وَلَا عَالِمًا وَلَا جَاهِلًا وَلَا قَادِرًا وَلَا عَاجِزًا؛ وَهُمْ يَقُولُونَ مَعَ ذَلِكَ إنَّهُ عَاقِلٌ وَمَعْقُولٌ وَعَاشِقٌ وَمَعْشُوقٌ؛ فَيَتَنَاقَضُونَ فِي ضَلَالِهِمْ وَيَجْعَلُونَ الْوَاحِدَ اثْنَيْنِ وَالِاثْنَيْنِ وَاحِدًا؛ كَمَا أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُثْبِتُوا وُجُودًا مُجَرَّدًا عَنْ كُلِّ نَعْتٍ مُطْلَقًا عَنْ كُلِّ قَيْدٍ وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ يَخُصُّونَهُ بِمَا لَا يَكُونُ لِسَائِرِ الْمَوْجُودَاتِ وَلِهَذَا يَقُولُ بَعْضُهُمْ: إنَّ الْعَالِمَ وَالْعِلْمَ وَاحِدٌ وَإِنَّهُ نَفْسُ الْعِلْمِ فَيَجْعَلُونَ الْعَالِمَ بِنَفْسِهِ هُوَ الْعَالِمُ بِغَيْرِهِ وَالْمَوْصُوفُ هُوَ الصِّفَةُ؛ وَيَتَنَاقَضُونَ أَشَدَّ مِنْ تَنَاقُضِ النَّصَارَى فِي تَثْلِيثِهِمْ وَاتِّحَادِهِمْ اللَّذَيْنِ أَفْسَدُوا بِهِمَا الْإِيمَانَ بِالتَّوْحِيدِ، وَالرِّسَالَةِ. وَكَلَامُ ابْنِ سَبُعَيْنِ وَابْنِ رُشْدٍ الْحَفِيدِ وَابْنِ التومرت وَابْنِ عَرَبِيٍّ الطَّائِيِّ؛ وَأَمْثَالِهِمْ مِنْ الْجَهْمِيَّة نفاة الصِّفَاتِ: يَدُورُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ وَيُوجَدُ مَا يُقَارِبُ هَذَا الِاتِّحَادَ فِي كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالتَّصَوُّفِ الَّذِينَ دَخَلَ عَلَيْهِمْ بَعْضُ شُعَبِ الِاتِّحَادِ وَلَمْ يَعْلَمُوا مَا فِيهَا مِنْ الْفَسَادِ. وَالْقَوْلُ فِي مَسْأَلَةِ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَاضْطِرَابُ النَّاسِ فِيهَا مَبْنِيٌّ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ فَإِنَّهَا مِنْ مَسَائِلِ الصِّفَاتِ وَفِيهَا مِنْ التَّفْرِيعِ مَا امْتَازَتْ بِهِ عَلَى سَائِرِ مَسَائِلِ الصِّفَاتِ وَقَدْ اضْطَرَبَ النَّاسُ فِيهَا اضْطِرَابًا كَثِيرًا قَدْ بَيَّنَّاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ؛ وَبَيَّنَّا أَنَّ سَلَفَ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتَهَا كَانُوا عَلَى الْإِيمَانِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصِفُونَ اللَّهَ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَبِمَا وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ وَمِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ. وَيَقُولُونَ: إنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى. وَيَصِفُونَ اللَّهَ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ مِنْ التَّكْلِيمِ وَالْمُنَاجَاةِ وَالْمُنَادَاةِ وَمَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَنُ وَالْآثَارُ مُوَافِقَةً لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى.
قال تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) .
يعني: هو الواحد الأحد، الذي لا نظير له ولا وزير، ولا نديد ولا شبيه ولا عديل، ولا يُطلَق هذا اللفظ على أحد في الإثبات إلا على الله، عز وجل؛ لأنه الكامل في جميع صفاته وأفعاله.