فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا. يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلًا).
قال في شرح الطحاوية على هذه الآيات الكريمة: فتأمل ما أجيبوا به عن كل سؤال على التفصيل؛ فإنهم قالوا أولا: (أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا) ؟! فقيل لهم في جواب هذا السؤال: إن كنتم تزعمون أنه لا خالق لكم ولا رب لكم؛ فهلا كنتم خلقا لا يفنيه الموت كالحجارة والحديد وما هو أكبر في صدوركم من ذلك! فإن قلتم: كنا خُلِقْنا على هذه الصفة التي لا تقبل البقاء. فما الذي يحول بين خالقكم ومنشئكم وبين إعادتكم خلقا جديدا؟! وللحجة تقدير آخر هو: لو كنتم حجارة أو حديدا أو خلقا أكبر منهما؛ فإنه قادر على أن يفنيكم ويحيل ذواتكم وينقلها من حال إلى حال، ومن يقدر على التصرف في هذه الأجسام مع شدتها وصلابتها بالإفناء والإحالة؛ فما الذي يعجزه فيما دونها؟! ثم أخبر أنهم يسألون سؤالا آخر بقوله: (من يعيدنا) إذا فنيت جسومنا واستحالت! فأجابهم بقوله: (قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) ، فلما أخذتهم الحجة؛ انتقلوا إلى سؤال آخر يتعللون به تعلل المنقطع، وهو قولهم: (متى هو) ! فأجابهم بقوله: (قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا) .
واما الإيمان بما يكون يوم القيامة. فقد قال الإمام السفاريني: واعلم أن ليوم الوقوف أهوالا عظيمة وشدائد جسيمة تذيب الأكباد وتذهل المراضع وتشيب الأولاد. وهو حق ثابت، ورد به الكتاب والسنة وانعقد عليه الإجماع، وهو يوم القيامة.
وقد اختلف في تسمية ذلك اليوم بيوم القيامة:
قيل: لكون الناس يقومون من قبورهم؛ قال تعالى: (يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا) . وقيل: لوجود أمور المحشر والوقوف ونحوها فيه. وقيل: لقيام الناس لرب العالمين. كما روى مسلم في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعا: (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) ؛ قال: يقوم أحدهم في رشحه إلى نصف أذنيه.
إلى أن قال: وروى الإمام أحمد وأبو يعلى وابن حبان في صحيحه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: (يوما كان مقداره خمسين ألف سنة) . فقيل: ما أطول هذا اليوم! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده؛ إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون عليه أخف من صلاة مكتوبة) .
وقيل: إنما سمي يوم القيامة لقيام الملائكة والروح فيه صفا؛ قال تعالى: (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا) .