ولا خلاف أن الرسل أفضل من بقية الأنبياء، وأن أولي العزم منهم أفضلهم، وهم الخمسة المذكورون نصا في آيتين من القرآن في سورة الأحزاب: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) (الأحزاب: 7)
، وفي الشورى في قوله: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) (الشورى: 13) . ولا خلاف أن محمدًا صلى الله عليه وسلم أفضلهم، ثم بعده إبراهيم، ثم موسى على المشهور، وقوله: (وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا) تنبيه على فضله وشرفه.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ رحمه اللَّهُ:
فَصْلٌ تَكَلَّمَ طَائِفَةٌ مِنْ الصُّوفِيَّةِ فِي (خَاتَمِ الْأَوْلِيَاءِ) وَعَظَّمُوا أَمْرَهُ كَالْحَكِيمِ التِّرْمِذِيِّ وَهُوَ مِنْ غَلَطَاتِهِ؛ فَإِنَّ الْغَالِبَ عَلَى كَلَامِهِ الصِّحَّةُ بِخِلَافِ ابْنِ عَرَبِيٍّ فَإِنَّهُ كَثِيرُ التَّخْلِيطِ لَا سِيَّمَا فِي الِاتِّحَادِ وَابْنُ عَرَبِيٍّ وَغَيْرِهِمْ وَادَّعَى جَمَاعَةٌ كُلُّ وَاحِدٍ أَنَّهُ هُوَ كَابْنِ عَرَبِيٍّ وَرُبَّمَا قَيَّدَهُ بِأَنَّهُ خَتْمُ الْوِلَايَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ أَوْ الْكَامِلَةِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ؛ لِئَلَّا يَلْزَمَهُ أَنْ لَا يُخْلَقَ بَعْدَهُ لِلَّهِ وَلِيٌّ وَرُبَّمَا غَلَوْا فِيهِ كَمَا فَعَلَ ابْنُ عَرَبِيٍّ فِي فُصُوصِهِ فَجَعَلُوهُ مُمِدًّا فِي الْبَاطِنِ لِخَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ تَبَعًا لِغُلُوِّهِمْ الْبَاطِلِ حَيْثُ قَدْ يَجْعَلُونَ الْوِلَايَةَ فَوْقَ النُّبُوَّةِ مُوَافَقَةً لِغُلَاةِ الْمُتَفَلْسِفَةِ الَّذِينَ قَدْ يَجْعَلُونَ الْفَيْلَسُوفَ الْكَامِلَ فَوْقَ النَّبِيِّ. وَكَذَلِكَ جُهَّالُ الْقَدَرِيَّةِ وَالْأَحْمَدِيَّةِ واليونسية قَدْ يُفَضِّلُونَ شَيْخَهُمْ عَلَى النَّبِيِّ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَرُبَّمَا ادَّعَوْا فِي شَيْخِهِمْ نَوْعًا مِنْ الْإِلَهِيَّةِ. وَكَذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ السَّعْدِيَّةِ: يُفَضِّلُونَ الْوَلِيَّ عَلَى النَّبِيِّ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُقَلَّدُ الشَّافِعِيُّ وَلَا يُقَلَّدُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَكَذَلِكَ غَالِيَةُ الرَّافِضَةِ الَّذِينَ قَدْ يَجْعَلُونَ الْإِمَامَ كَانَ مُمِدًّا لِلنَّبِيِّ فِي الْبَاطِنِ كَمَا قَدْ يَجْعَلُونَهُ إلَهًا. فَأَمَّا الْغُلُوُّ فِي وَلِيِّ غَيْرِ النَّبِيِّ حَتَّى يُفَضِّلَ عَلَى النَّبِيِّ سَوَاءٌ سُمِّيَ وَلِيًّا أَوْ إمَامًا أَوْ فَيْلَسُوفًا وَانْتِظَارُهُمْ لِلْمُنْتَظَرِ الَّذِي هُوَ: مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ. أَوْ إسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ نَظِيرُ ارْتِبَاطِ الصُّوفِيَّةِ عَلَى الْغَوْثِ وَعَلَى خَاتَمِ الْأَوْلِيَاءِ فَبُطْلَانُهُ ظَاهِرٌ بِمَا عُلِمَ مِنْ نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَمَا عَلَيْهِ إجْمَاعُ الْأُمَّةِ فَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَ الَّذِينَ أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ أَرْبَعَةً: النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءَ وَالصَّالِحِينَ فَغَايَةُ مَنْ بَعْدَ النَّبِيِّ أَنْ يَكُونَ صِدِّيقًا كَمَا كَانَ خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا صِدِّيقًا؛ وَلِهَذَا كَانَتْ غَايَةُ مَرْيَمَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: (مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ) . وَبِهَذَا اسْتَدْلَلْت عَلَى مَا ذَكَرَهُ طَائِفَةٌ: كَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَأَبِي الْمَعَالِي وَأَظُنُّ الباقلاني مِنْ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ نَبِيَّةً لِيُقَرِّرُوا كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ بِمَا جَرَى عَلَى يَدَيْهَا فَإِنَّ بَعْضَ النَّاسِ زَعَمَ أَنَّهَا كَانَتْ نَبِيَّةً فَاسْتَدْلَلْت بِهَذِهِ الْآيَةِ فَفَرِحَ مُخَاطِبِي بِهَذِهِ الْحُجَّةِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي بَيَانِ غَايَةِ فَضْلِهَا دَفْعًا لِغُلُوِّ النَّصَارَى فِيهَا؛ كَمَا يُقَالُ لِمَنْ ادَّعَى فِي رَجُلٍ أَنَّهُ