يخصص مؤذي الله ورسوله باللعنة المذكورة ويجعل جراء مؤذي المؤمنين أنه احتمل بهتانا وإثما مبينا كما قال في موضع آخر: (ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا) (النساء: 112) كيف والعليم الحكيم إذا توعد على الخطيئة زاجرا عنها فلا بد أن يذكر أقصى ما يخاف على صاحبها فإذا ذكر خطيئتين إحداهما أكبر من الأخرى متوعدا عليهما زاجرا عنهما ثم ذكر في إحداهما جزاء عنها وذكر في الأخرى ما هو دون ذلك ثم ذكر هذه الخطيئة في موضع آخر متوعدا عليها بالعذاب الأدنى بعينه علم أن جزاء الكبرى لا يستوجب بتلك التي هي أدنى منها.
فهذا دليل يبين لك أن لعنة الله في الدنيا والآخرة وإعداده العذاب المهين لا يستوجبه مجرد القذف الذي ليس فيه أذى الله ورسوله وهذا كاف في اطراد الدلالة وسلامتها عن النقص.
وأما الجواب المفصل فمن ثلاثة أوجه:
أحدهما: أن هذه الآية في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة في قول كثير من أهل العلم
فروى هشيم عن العوام بن خوشب حدثنا شيخ من بني كاهل قال: فسر ابن عباس سورة النور فلما أتى على هذه الآية (إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات) إلى آخر الآية (النور: 23) قال: هذه في شأن عائشة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة وهي مبهمة ليس فيها توبة ومن قذف امرأة مؤمنة فقد جعل الله له توبة ثم قرأ: (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء) إلى قوله: (إلا الذين تابوا من بعد ذلك واصلحوا) (النور: 5) فجعل لهؤلاء توبة ولم يجعل لأولئك توبة قال: فهم رجل أن يقوم فيقبل رأسه من حسن ما فسر.
وقال أبو سعيد الأشج: حدثنا عبد الله بن خراش عن العوام عن سعيد بن جبير عن ابن عباس (إن الذين يرمون المحصنات الغافلات) نزلت في عائشة رضي الله عنها خاصة واللعنة في المنافقين عامة.
قال صالح آل الشيخ في شرح الطحاوية:
ومن طَعَنْ في عائشة رضي الله عنها بما بَرَّأَهَا الله منه فإنَّ نفاقه حينئذٍ نفاق اعتقادي كما قال عز وجل في وصف المنافق (وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (النور:11) .
وقد يكون نفاقًا عمليًا بحسب إساءة الظن؛ لأنَّ آية الإيمان حُبْ الصحابة، وآية النفاق بُغْضْ الصحابة، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قال في الأنصار: (آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار) فإنَّ