وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ" (فصّلت 15،16) ."
قال ابن القيم:"أصل الشكر هو الاعتراف بإنعام المنعم على وجه الخضوع له والذل والمحبة؛ فمن لم يعرف النعمة، بل كان جاهلا بها؛ لم يشكرها، ومن عرفها ولم يعرف المنعم بها؛ لم يشكرها أيضا، ومن عرف النعمة والمنعم، لكن جحدها كما يجحد المنكر النعمة والمنعم عليه بها؛ فقد كفرها، ومن عرف النعمة والمنعم بها، وأقر بها ولم يجحدها، ولكن لم يخضع له ولم يحبه ويرض به وعنه؛ لم يشكره أيضا، ومن عرفها وعرف المنعم بها، وأقر بها وخضع للمنعم بها وأحبه ورضي به وعنه، واستعملها في محبته وطاعته؛ فهذا هو الشاكر لها."
والتبرك معناه: طلب البركة ورجاؤها واعتقادها في تلك الأشياء.
وحكمه: أنه شرك أكبر؛ لأنه تعلق على غير الله سبحانه في حصول البركة، وعباد الأوثان إنما كانوا يطلبون البركة منها؛ فالتبرك بقبور الصالحين كالتبرك باللات، والتبرك بالأشجار والأحجار كالتبرك بالعزى ومناة، والتبرك بالمخلوقين، وهو لون من ألوان الوثنية.
والتبرك بالأماكن والآثار والأشخاص أحياء وأمواتا لا يجوز؛ لأنه إما أن يكون شركا، إن اعتقد أن ذلك الشيء يمنح بركة، أو قد يكون وسيلة إلى الشرك، إن اعتقد أن زيارته أو ملامسته أو التمسح به سبب لحصولها من الله، كما يقول لك واحد: البركة من الله، لكن نحن لما نروح عند القبر، أو عند هذا المكان، أو عند المقام، أو عند هذا السور، أو عند هذه الشجرة تنزل علينا البركات عندها، فكونه يظن أن هذه سبب لنزول البركة هذه ذريعة إلى الشرك، أما ما كان الصحابة يفعلونه من التبرك بشعر النبي - صلى الله عليه وسلم -، وريقه، وما انفصل من جسمه الشريف - صلى الله عليه وسلم - كما صحت بذلك الآثار عند البخاري وغيره، فذلك خاص به - صلى الله عليه وسلم - في حياته ووجوده بينهم بدليل أن الصحابة لم يكونوا يتبركون بحجرته وقبره، بعد موته، فكذلك مقامات الأولياء من باب أولى، يعني لو كان الصحابة يفعلون هذا على أساس أن التبرك بالنبي - صلى الله عليه وسلم - يستوي مع التبرك بغير النبي لفعلوه مع أبي بكر، أو لفعلوه مع الأماكن التي كان يقف عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - أو كان يمشي فيها النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو الخيمة التي جلس تحتها النبي، أو ما شابه، ولكن لم يثبت أن فعلوا شيئا من ذلك، ولا كانوا يتبركون بالأشخاص الصالحين كأبي بكر وعمر وغيرهما من أفاضل الصحابة، لا في الحياة ولا بعد الموت، ولا كانوا يذهبون إلى غار حراء ليصلوا فيه، أو يدعوا، فكل ذلك ليس من شريعته - صلى الله عليه وسلم -، وكل ذلك من المحدثات التي كانت سببا في حدوث الشرك بجميع صوره.
وهي ما يعرف عند الناس بالأحجبة، وقال عليه الصلاة والسلام:"إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ [1] ".
(1) - صحيح أحمد (3615) وأبو داود (3883) وابن ماجه (3530) والحاكم (8290) والبيهقي (19387) .