شرك ربوبية من حيث ادعاء مشاركة الله في علمه، وشرك في الإلاهية من حيث التقرب إلى غير الله بشيء من العبادة.
كل هؤلاء إن صدقوا فبما توحي إليهم شياطينهم، وقد جعل الله من مثل هذه الأسباب فتنا يضل بها سبحانه وتعالى كثيرا، ويهدي بها كثيرا، من باب الابتلاء.
قال تعالى:"وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا"وقال تعالى:"وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ".
وعن جُنْدَب بن عبد الله رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"كَانَ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ، فَجَزِعَ [1] ، فَأَخَذَ سِكِّينًا، فَخَزَّ بِهَا يَدَهُ [2] فَمَا رَقَأَ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ [3] قَالَ اللهُ تَعَالَى: بَادَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ؛ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ" [4] .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِسَمٍّ فَسَمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا" [5] .
وعن يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة عن ثابت بن الضحاك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"لَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ وَمَنْ قَذَفَ مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَاتِلِهِ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عَذَّبَهُ اللهُ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ" [6] .
فقتل النفس أمر عظيم، وقد يكون العبد به كافرا، فهو من الأمور التي قد تؤول إلى الكفر الأكبر أعاذنا الله من ذلك.
تقول الأخت الفاضلة فاطمة الزهراء، في كتابها الموضة في التصور الإسلامي [7] : الموضة عبودية لغير الله، كيف لا؟ والموضة تجعل من الزينة المادية همَّ الإنسان المادية الأكبر، وشاغله الأوحد في الحياة، فهو يلاحقها ويتابعها ويلاحق كل ما ينشر عنها، حتى يستغرق فيها استغراقا كاملا، ويصرفه عن الغاية الأساسية التي من أجلها خلق، يعيش وهمه الثوب الفلاني، والشكل الفلاني، والملبس الفلاني، والأثاث الفلاني، وما شابه، حتى ينصرف من كثرة تعلق القلب بتتبع ذلك عن الغاية التي خلقه الله لها، ويكاد المقلد للموضة أن يتخذ ممن قلدهم أندادا من دون الله؛ يحبهم كحب الله عز وجل عند المسلم لله، وسرعة استجابتهم لما يأمر به - يعني تجد أن المتبع للموضة والمقدس لها سائر وراءها،
(1) - جزع: لم يصبر
(2) - َخَزَّ بِهَا يَدَهُ: قطعها
(3) - فما رقأ الدم: لم يتوقف تدفقه
(4) - صحيح البخاري وابن حبان والبيهقي والطبراني.
(5) - صحيح البخاري (5778) ومسلم (109) والترمذي (2044)
(6) - رواه والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي عن ثابت بن الضحاك وصححه الالبانى في صحيح الجامع (5404)
(7) - الموضة في التصور الإسلامي (ص 108)