يوافقه على ذلك، بل نصحه بضرورة العودة إلى وطنه لخدمة بلاده ومحاولة إنقاذها مما هي فيه، بما توسم فيه من حزم وعزم وصلاح، فاقتنع الشاب عبد الحميد بوجهة نظر هذا الشيخ، وقبل نصيحته وقرر الرجوع إلى الوطن، عند ذاك حذره أستاذه «الونيسي» من أن يكون عبدا للوظيفة، لأنه تأكد أن الحكومة ستعرض عليه الوظائف، قال له «أحذر أن تقبل الوظيفة الحكومية، فهي قيد لك، يحدّ من نشاطك» ، وأخذ عليه عهدا أن لا يقبل الوظيفة، ولا يتخذ علمه سلما للأغراض المادية والأطماع الدنيوية، فعاهده تلميذه على ذلك، ووفى بهذا العهد.
وقد حرص «عبد الحميد» في هذه الرحلة على الاتصال بالمفكرين والعلماء للتحاور معهم والاطلاع على أحوال المسلمين ومقارنتها بأحوال بلاده، ودفعه هذا الاتصال إلى التفاعل مع الحركة الإصلاحية التي انتشرت على يد الشيخ محمد عبده وتلميذه رشيد رضا، متأثرين بالحركة السلفية التي انتشرت في الحجاز.
وخلال الفترة التي قضاها في المدينة المنورة تعرف إلى شاب جزائري في مثل سنه عالم وأديب، هو الشيخ «محمد البشير الإبراهيمي» المقيم مع والديه في المدينة، أقام معه مدة تعارفا فيها وتحاورا معا في شأن الخطة الإصلاحية التي يجب أن تضبط لعلاج الأوضاع المتردية في الجزائر، واتفقا على خدمة بلادهما متى عادا إليها.
وقد ذكر الشيخ البشير الإبراهيمي أنهما لم يفترقا طيلة الأشهر الثلاثة التي قضاها ابن باديس بالمدينة، فكانا يقضيان الليل كله يحللان أوضاع الجزائر، ويحددان شروط ووسائل نهضتها. ولم يكن أيّ منهما يدري أن هذا اللقاء الذي تم خارج الوطن ستكون له ثمار طيبة وسيصبح هذا العالم الشاب المهاجر إلى المدينة رفيق دربه في الكفاح و النضال بعد الرجوع إلى الوطن في العشرينات.
وفي طريق عودته من الحجاز عرّج على الشام (دمشق وبيروت) وزار المسجد الأقصى، وتوقف بمصر ولقي في الإسكندرية كبير علمائها الشيخ «أبا الفضل الجيزاوي» الذي أصبح من بعد شيخا للأزهر، فتعارفا وتذاكرا وأجازه، وفي القاهرة لقي مفتي الديار المصرية الشيخ «محمد بخيث المطيعي» رفيق محمد عبده، والمدافع عن فكرته بعد وفاته، وكان الشاب عبد الحميد يحمل للشيخ رسالة من أستاذه «الونيسي» فأحسن استقباله،