الصفحة 8 من 49

ولَمَّا كان هذا النَّوع الإنساني أفضل ما فوق التُّخوم وتحت النجوم، وكان شرفه بما آتاه الله من أنواع المعارف والعلوم - ظهر جمال هذا العلم؛ فتسابَق إلى اجتِلاء فرائده الواصلون، فظهَرَتْ مَزِيَّتهم على مَن سِواهم؛ فقال - تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9] .

ويحتاج في أمر المعاش وبَقاء الحياة إلى المُعاوَنة والمُشارَكة بين أفراد نوعه بصِناعاتٍ شَتَّى، وحصول ذلك التعاون يَتَوقَّف على التمدُّن والاجتماع.

والطبائع البشريَّة مختلفةٌ سيَّما عوام الناس؛ فإنهم يَمِيلون إلى الشُّرور والمَفسَدة، فتنتج القضيَّة الاجتماعيَّة البشريَّة الفساد والخلَل في مُدَّةٍ يَسِيرة، وذلك يستَلزِم تَعطِيل الحِكَم الربانيَّة المترتِّبة على عمران العالم وبَقاء بني آدم إلى أجلٍ مُسمًّى، وعدم ذلك يفتَقِر إلى أصولٍ كليَّة مُقرَّرة مَعاشًا ومَعادًا؛ فلهذا أرسَلَ الله الرُّسُل وأنزل الكُتُب؛ نظامًا للعالم، وصَلاحًا لبني آدم على مُقتَضى حكمته السابقة البالغة، ورحمته الواسعة السابغة، ووضع الأحكام بأوامره السبحانيَّة وزَواجِره الربانيَّة على أفعال الأنام، وعيَّن الحدود لجناية الظَّلَمَة والفَسَقَة وبيَّن الحلال والحرام، مطابقًا لقوانين الحِكَم ومَصالِح العِباد، ومُوافِقًا لمقتضى الوقت والاستِعداد، فأعطى بهذا الوجه نِظامًا للهيئة الاجتماعيَّة وأىّ نظام، وأقام قواعد الكون والمكان بأحسن أسلوب وأتَم قِيام، ولا سيَّما وقد أسال دِماء الشرك والشَّقاء بسيف الدين الأحمدي، وسِهام الشرع الشريف المحمدي، فأفاض لقُوَى العالم كمالًا، ولمزاج الكائنات اعتِدالًا، ثم فوَّض خدمة إقامة الحدود والسياسة وسائر الأحكام، وأمور الجهاد في سبيله؛ إعلاءً لكلمته العليا إلى يوم القيامة - إلى عهدةِ خلافة الخُلَفاء الراشدين، ثم إلى الملوك والسلاطين، إحياءً لمآثر آثار الدين، وإقامةً لسنَّة سيِّد المرسلين، صلى الله عليه وعلى آبائه وإخوانه من النبيين والمرسلين، وآل كلٍّ وصحبه أجمعين، ولإراحة الفقراء والمساكين، وأمن الرعيَّة من تَخوِيف الطاغين الباغين، ولنظم جند الجهاد، وراحة العباد، وإنْ كان بعض الناس إنما يتَّبِعون أهواءهم، ولا يَعلَمُون ما لهم وما عليهم، ويَسلُكون مسالك الفساد، ويُخرِجون رِقابهم عن رِبقة الطاعة والانقِياد، ويسلبون أمْن البلاد، ويَقطَعون أسباب مَعايِش العِباد، وإنهم لسخط ربهم كاسبون، ولوضع السياسة مُقتَضون، وإنَّ تأثير لسان السيف السلطاني وإنْ كان أبلغ وأقوى، في تربية مَن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت