الصفحة 7 من 49

رحمة منهم من الشريعة الغرَّاء يستَمِدون، وللملَّة الزَّهراء يستَنِدون، وهم أفضَلُ مَن اتَّبَع المرسَلِين، وخير مَن آمَن وصَدَّق النبيِّين، ووُجِد بعدَهم مَن وُجدَتْ فيه شروطُ المجتَهِدين، التي هي المعرفة بأحْكام القرآن والسنَّة والقِياس وأنواعها، فمن أنواع القرآن والسنَّة: العام والخاص، والمجمَل والمُبَيَّن، والمطلَق والمقيَّد، والنص والظاهر، والناسخ والمنسوخ، ومن أنواع السنَّة: المتواتِر والآحاد، والمتَّصل وغيره، ومن أنواع القياس: الأولى والمساوي والأَدْوَن؛ كقياس الضرب للوالدين على التأفُّف لهما، وقِياس إحراق مال اليتيم على أكلِه في التحريم، وقياس الأرز على البُرِّ في الربا بجامع الكيل، وحال الرُّواة قُوَّةً وضعفًا، فيُقدَّم عند التعارُضِ الخاصُّ على العام، والمقيَّد على المطلق، والنص على الظاهر، والمُحكَم على المتشابه، والناسخ والمتَّصِل والقوي على مقابلها، ولسان العرب لغةً ونحوًا وصرفًا، وأقوال العلماء إجماعًا واختلافًا فلا يخالفهم في اجتهاده.

وقد تدوَّن الآن ذلك في مُؤلَّفات مُنقَّحَة مُحَرَّرة يسهل منها معرفة ذلك، وهذه هي الشروط التي يشتَرِطها الفُقَهاء في تولية القضاء، قال في"فتح الباري": وإنْ كُنَّا نعلم أنَّه ليس على وجه الأرض أحدٌ يجمع هذه الصِّفات، ولكن يجب أنْ يُطلَب من أهل كلِّ زمانٍ أكملهم وأفضلهم وأعفهم.

ولا يَكفِي في تَأمِير شخصٍ مُراعاة الأفضل في الدِّين فقط، بل يُضَمُّ إليه مَزِيد المعرفة بالسِّياسة مع اجتِناب ما يُخالِف الشرع منها، كما استَخلَف سيِّدنا عمرُ معاوية والمغيرة بن شعبة وعمرو بن العاص مع وجود مَن هو أفضل منهم؛ كأبي الدرداء في الشام، وابن مسعود في الكوفة؛ قاله في"الفتح".

ولما نشأ من تضييق بعض العُلَماء على الملوك السابِقين جعل الحكم على قسمين: شرعي ونظامي، تبادَر إلى الأذهان أنَّ الحكم النظامي مُخالِفٌ للشريعة المطهَّرة المأخوذة من القرآن والسنة.

ومَن تتبَّع أقوال الأئمَّة المجتَهِدين، وأحكام الصحابة والتابعين، وجَد أنَّ الأحكام كلَّها مأخوذةٌ عن سيِّد المرسلين.

فلمَّا رأيت ذلك، ووقفت على ما هنالك، دعاني داعي المشيئة والإلهام إلى جمع هذه الرسالة، وإنِّي لست بأهل لما هنالك، لكن الله هو وليُّ ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت