الفصل الثالث
في ذكْر بعض الوظائف
مادة (59) الشُّرطة أعوانُ السُّلطان وطائفةٌ من أعوان الولاة، يتصرَّفون في الجند بأمرِه لما ينفذه من أموره، يجعل الحاكِم عليهم رئيسًا؛ لما روى البخاري عن أنسٍ - رضي الله عنه - قال: لَمَّا قَدِمَ النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينةَ كان قيس بن سعد بمنزلة صاحِب الشُّرطة من الأمير، فكلَّم سعدٌ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - في قيسٍ أنْ يَصرِفه من الموضع الذي وضَعَه فيه؛ مخافةَ أنْ يُقدِم على شيءٍ فصَرَفه عن ذلك، والمراد بصاحب الشُّرطة؛ أي: الرئيس عليهم، وسموا شُرطة لأنهم الأشدَّاء الأقوياء، ولأنَّ لهم علامات يُعرَفون بها من هيئة وملبس؛ ا. هـ"فتح".
مادة (60) نصب العرفاء على الناس حق لما يحتاج إليه الأمير من المعاونة على ما لا يَتعاطاه بنفسه؛ لما روى أبو داود عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: (( العرافة حقٌّ، ولا بُدَّ للناس من عريف، والعُرَفاء في النار ) ).
مادة (61) قوله: (( العُرَفاء في النار ) )ظاهِرٌ أُقِيم مُقام المضمر، يُشعِر بأنَّ العِرافة على خطَر، ومَن باشَرَها غير آمِنٍ من الوقوع في المحذور المُفضِي إلى العَذاب؛ كقوله - تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} [النساء: 10] ، ولأنَّ العُرَفاء هم رُؤَساء الحارات والحِرَف والقُرَى، والغالب عليهم الاستِطالة على الناس، ومُجاوَزة الحد، وترْك الإنصاف المُفضِي إلى الوقوع في المعصية؛ ا. هـ"فتح".
مادة (62) كان العُرَفاء في العهْد النبويِّ؛ لما روى البخاري أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال حين أَذِنَ له المسلمون في عتْق سبي هَوازِن، وكانوا جاؤوه مُسلِمين، وطلَبُوا منه أنْ يردَّ إليهم سبيَهم وأموالهم، فقال - صلى الله عليه وسلم: (( إنِّي قد رأيت أنْ أردَّ عليهم سبيَهم وأموالَهم، فمَن أحبَّ منكم أنْ يكون على حظِّه حتى نُعطِيَه إيَّاه من أوَّل ما يفيء الله علينا، فليفعَل ) )، فقال الناس: قد طيَّبنا ذلك، فقال - صلى الله عليه وسلم: (( إنِّي لا أدري مَن أذن منكم ممَّن لم يَأذَن، فارجِعُوا حتى يرفع إلينا عُرَفاؤكم أمرَكم ) )، فرَجَع الناس فكلَّمهم عُرَفاؤهم فرجَعُوا - أي: العُرَفاء - إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فأخبَرُوه أنَّ الناس قد طيَّبوا وأذِنُوا له أنْ يعتق السبي؛ ا. هـ"فتح".