الفصل الثامن
في ذكر بعض القواعد الفقهيَّة
ذكرنا فيما تقدَّم أنَّ المحقِّقين من الفُقَهاء قد أرجَعُوا المسائل الفقهيَّة إلى قواعد كليَّة، كلٌّ منها ضابطٌ وجامعٌ لمسائل كثيرة، وقد أوصَلَها فقهاء الحنابلة إلى نحوٍ من ثمانمائة قاعِدة، فلنذكر الآن أنموذجًا منها فنقول:
مادة (175) الأمور بمقاصدها؛ يعني: أنَّ الحكم الذي يترتَّب على أمرٍ يكون على مُقتَضَى ما هو المقصود من ذلك الأمر؛ يعني: أنَّ الأحكام الشرعيَّة التي تترتَّب على أفعال المكلَّفين إنما هي مَنُوطَة بمقاصدهم من تلك الأفعال ومرتبطة بها، وأنَّ الحكم يختلف باختلاف المقصد منه.
مادة (176) العِبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني؛ يعني: أنَّ العقود إنما تُبنَى على الأغراض والمقاصد لا على الألفاظ؛ كالبيع والإجارة والوكالة والحوالة ونحوها، تُعتَبَر فيها المقاصد والمعاني، ولا عبرة بالألفاظ؛ فإنَّه لَمَّا كان مقصد العاقِدين من البيع بالوَفاء هو تأمين الدَّين لا تملُّك المَبِيع للمشتَرِي كما يُستَفاد من لفْظ البيع، جرَى فيه حكمُ الرَّهن مع أنَّه منعقدٌ بلفظ البيع، وستعلم بقيَّة أحكامها من المواد الآتية.
مادة (177) العادة العامَّة أو الخاصَّة تُجعَل حَكَمًا لإثبات حُكمٍ شرعي؛ يعني: أنَّ العرف هو كناية عن الأشياء التي تشتهر، واستِعمال الناس حجَّة يجب العمل بها، قال في"الإقناع"في باب أركان النكاح وشروطه: قال الشيخ تقي الدين ابن تيميَّة: ينعَقِد النكاح بما عَدَّه الناس نكاحًا بأيِّ لفظٍ ولغةٍ كان، وإنَّ مثل النكاح كل عقد، فينعقد البيع بما عَدَّه الناس بيعًا بأيِّ لفظٍ ولغةٍ كان، والإجارَة بما عَدَّه الناس إجارة بأيِّ لفظٍ ولغةٍ كان، وهكذا باقي العقود.
مادة (178) الشرط بين الناس ما عدوه شرطًا، فلو تزوَّج من قومٍ لم تجرِ العادة بالتزوُّج على نسائهم، كان بمنزلة شرط ألاَّ يتزوَّج على زوجته؛ ا. هـ"إقناع".
مادة (179) الأسماء تُعرَف حدودُها تارَةً بالشرع؛ كالصلاة والزكاة والصوم والحج والوضوء والغسل ونحوها، وتارَةً باللغة؛ كرجل وفرس وشجر ونحوها،