ضَلَّ وغوى، كما قال سيِّدنا عمر الفاروق - رضِي الله عنه: يزَع السلطان أكثر ممَّا يزَع القرآن، وكما قِيل أيضًا: السيف والسنان يفعلان ما لا يَفعَل البرهان، إلاَّ أنَّ المحقِّقين من الفُقَهاء قد أرجَعُوا المسائل الفقهيَّة إلى قواعد كليَّة، كلٌّ منها ضابطٌ وجامِعٌ لمسائل كثيرة، ومهَّدُوا القواعد أحسن تمهيد، فمَن أتقَنَها فهو الفقيه الماهر، ومَن ظفر بما فيها فسيقول: ما ترك الأوَّل للآخِر، ويحصل منها تسهيل بيان الأحكام على المتفقِّهين، وحصول المثوبة والإنعام من ربِّ العالمين.
والحال أنَّ كلَّ شخصٍ يَطلُب ما يُلائِمه، ويَغضَب على مَن يُزاحِمه، فلأجل بَقاء العدل والنِّظام بينهم محفوظًا من الخلل، يَحتاج إلى قوانين مُؤبَّدة شرعيَّة في أمْر الازدِواج، وهي قسم المناكحات من علم الفقه، وفيما به التمدُّن من التعاوُن والتشارُك، وهي قسم المعاملات منه، ولاستِقرار أمر التمدُّن على هذا المِنوال لَزِمَ ترتيب أحكام الجزاء، وهي قسم العقوبات منه.
وهذه لا غِنى لوليِّ الأمر عنها، فقد رتَّب الحدودَ صاحبُ الشَّرع الشَّرِيف - عليه أفضل الصلاة والسلام - ودوَّن ذلك في قوانين مُحَرَّرة مرضيَّة، فإنَّ صَلاح المعاش والمعاد في طاعة الله ورسوله، ولا يتمُّ ذلك إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبه صارَتْ هذه الأمَّة خيرَ أمَّةٍ أُخرِجتْ للناس؛ قال - تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل عمران: 110] ، وقال - تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل عمران: 104] ، وقال - تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [التوبة: 71] ، وقال - تعالى - عن بني إسرائيل: {كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المائدة: 79] ، وقال - تعالى: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الأعراف: 165] .
وفي الحديث الثابت أنَّ أبا بكرٍ الصديق - رضي الله تعالى عنه - خطَب الناس على مِنبَر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: أيُّها الناس، إنكم تقرؤون هذه الآية وتضَعُونها على غير مَوضِعها: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة: 105] ، وإنِّي سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (( إنَّ الناس إذا