فُقَهاء الحنابِلَة: ليس للسلطان أنْ يُخصِّص للقاضي الحكمَ بمذهبٍ مُعيَّن؛ لاختِلاف تَعامُل البِلاد وتقليدهم للمذاهب المختلفة، وإذا حكم على مذهبٍ في قضيَّةٍ ليس له أنْ ينقضه على مذهبٍ آخَر، وليس للحاكم أنْ يحكُم بفساد ما حكَم به غيره إذا كان مُوافِقًا لمذهب مَن حكَم به، ويأتي تفاصيل ذلك في أبوابه - إن شاء الله تعالى.
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة الحنبلي - قدَّس الله رُوحَه: يجوز تقليدُ مفضولٍ من المجتهدين مع وجود أفضل منه، ولزوم التمذهب بمذهب مُعيَّن الأشهر عدمه، كما لم يلزم في عصر أوائل الأمَّة من الصحابة والتابعين، فإنَّ مذاهبهم كانت كثيرةً مُتبايِنة، ولم يُنقَل عن أحدٍ منهم أنَّه قال لِمَن استَفتاه: الواجب عليك أنْ تراعي مذهب مَن قلَّدته؛ لئلاَّ تُلفِّق بين مذهبين فأكثر، بل كلُّ مَن سُئِل منهم عن مسألةٍ أفتاه فيها بما يَراه في مذهبه، مُجِيزًا له العمل من غير فحصٍ ولا تفصيلٍ، ولو كان لازمًا لما أهملوه خصوصًا مع كثْرة تبايُن أقوالهم؛ انتهى باختِصار من"الغاية".
والناس أربعة أقسام:
قسم منهم يُرِيدون العلوَّ على الناس والفَساد في الأرض، كفرعون وحزبه؛ قال - تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 4] ، وهؤلاء شرُّ الخلق.
والقسم الثاني: يُرِيدون الفساد بلا علوٍّ؛ كالسُّرَّاق والمجرمين من سفلة الناس ونحوهم.
والقسم الثالث: يريدون العلوَّ بلا فساد؛ كالذين يريدون أن يعلوا على غيرهم من الناس.
والقسم الرابع: لا يُرِيدون علوًّا في الأرض ولا فَسادًا، مع أنهم يكونون أعلى من غيرهم؛ قال - تعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139] .
فإرادة العلوِّ على الخلق ظلمٌ؛ لأنَّ الناس من جنسٍ واحد، فإرادة الإنسان أنْ يكون هو الأعلى على نظيره ظلمٌ له، ثم مع إنَّه ظلمٌ فالناس يُبغِضون مَن هو